|
شهيد
المحراب
الملكات والصفات القيادية
عبد
الحسين سلمان
باحث وإعلامي كان شهيد المحراب يؤمن بتأثير العامل
الالهي في الاحداث والاتكال على الله بالعمل مترافقا مع الاخذ بالاسباب
والعوامل الخارجية والاستعداد الداخلي والقيام بالمسؤولية استجابة
لأمره تعالى. شهيد المحراب كان متفائلا ويتطلع بثقة
الى المستقبل وهذا التفاؤل كان مبنيا على الثقة بالله عزوجل وقدراته
غير المحدودة وكذلك على ايمان بقدرات الشعب واستعداده للتضحية.
امتاز شهيد المحراب بالدقة في فهم الامور وطرحها وتحليلها ولذلك
اوكل اليه السيد الشهيد اية الله العظمى محمد باقر الصدر (قده) مراجعة
كتابه فلسفتنا وسماه في كتاب اقتصادنا بـ (العضد المفدى).
من السمات البارزة في حركة شهيد المحراب اهتمامه بالامور
الاجتماعية، لايشغله عن ذلك زحمة برنامجه السياسي وحركته الميدانية
اليومية، فيحضر المناسبات الاجتماعية، ويعقد قران الازواج، ويتفقد أسر
الشهداء والمضحين ويصل أرحامه ويهتم بشؤونهم ويهتم بالناس ومشكلاتهم
ويسمع الشكاوى. كان شهيد المحراب يمتاز ببعد الهمة
ولايقعد فيه ضعف او يأس في القضية التي تبناها منذ اعلانه المعارضة
السياسية والجهادية للنظام الصدامي في العراق عام 1980وكان هاجسه الاول
والاخير هو انقاذ الشعب العراقي من قيد الاسر الصدامي، وطرق الابواب
المؤدية الى انقاذه من ظلم النظام الديكتاتوري. لعل
الكلام عن المؤهلات الذاتية لشهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم(قده)
، في مقال محدود، قد لا يفي بالغرض ، لكن الشخصيات الكبيرة بمؤهلاتها و
إنتاجها و تأثيرها في مجرى التأريخ لا يبقي محلاً للحديث المتكرر، أي
إنها قابلة للاستلهام من زوايا عديدة.. فهي مثل النهر الجاري يغترف منه
في كل وقت بحسب الطلب والظرف.. ولعل أهم ما يًفيد منه الجيل الحالي من
مثل هذه الإطلالات على سيرة شخصية كبيرة، مثل شهيد المحراب (قده) ، هي
لأخذ العبرة والتأسيس والاقتداء العملي ، وهذا شأن الرساليون في
التأريخ.. مثل الأنبياء، والأوصياء، والأئمة، والقادة الكبار المتميزين
في التأريخ الإنساني الذين تلبسوا بالمؤهلات العالية، والهموم الكبيرة،
والعطاء المستمر للأجيال، وبهذا اكتسبوا نوعاً من الخلود والحياة
المتجددة، ولمثل هؤلاء جاء التوجيه القرآني للناس بأن يقتدوا ويقتفوا
آثاراهم للفوز بنعيم الآخرة وبالدور الفعال في الحياة لنصرة الحق
والانتصار للمظلومين ومقاومة الطغيان (({ لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة
لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، ومن يتولّ فأن الله هو الغني
الحميد})) (الممتحنة 6)، والنص الشريف حيث يحذر الناس من الإعراض عن
السيرة الخلاّقة لأولياء الله المصطفين وأشباههم.
وفي محاولة التعرض السريع للمؤهلات والملكات البارزة في ما نعرض له من
السيرة العلمية والانتقالات العملية في الفترة التي عشناها مع سيدنا
شهيد المحراب (قده)، وفيما اكتشفناه من خلال العيش القريب، والمواقف،
والتوجيهات، والمحاضرات والخطب والبحوث العميقة في مختلف المجالات،
يمكننا أن نمر سريعاً على بعضها استنتاجاً وتأشيراً وبما يلي:
أولاً ـ إيمانه العميق بتأثير العامل الغيبي الالهي في الأحداث
والاتكال على الله بالعمل مترافقاً مع الأخذ بالأسباب والعوامل
الخارجية والاستعداد الداخلي والقيام بالمسؤولية استجابة لأمره تعالى،
ومن باب الثقة بحكمة الله وقدرته، وتدخله في تغيير مجرى التأريخ، بغض
النظر عن كفاية الأسباب الظاهرية للانتصار.. وكان (قده) يتطرق إلى هذه
المسألة منبهاً: إن الظروف الموضوعية ورفع اليأس بسبب الصعوبات التي
كانت تكتنف العمل ضد الدكتاتورية الصدامية حيث تزدحم المعوقات
والمشكلات والعوامل المضادة الكثيرة .. فكان (قده) يؤكد بثقة عالية ان
الله سبحانه لا يخذلنا ولا يتخلى عنا. ولهذا كان يوصي في خطبه
ومحاضراته بالدعاء ويضع له مساحة بارزة في برنامج حركته.
ثانياً ـ التفاؤل والتطلع بثقة إلى المستقبل . وهذه صفة أساسية يجب
توفرها لدى قائد يتصدى لمهمة ضخمة في مواجهة دكتاتورية صدام العاتية
بما تملك من إمكانات غير محدودة.. وهذا التفاؤل ، كما يتحدث عنه لم يأت
من فراغ، أو وهم، أو نظرة سطحية، بل هو مبني على ثقة مطلقة بالغيب
وقدراته غير المحدودة، وكذلك على إيمان بقدرات الشعب واستعداده للتضحية
، تماماً مثل إيمان أستاذه الشهيد السيد محمد باقر الصدر(قده) بطاقات
الشعب، وقدرته على الانتصار على جلاديه، وقد دون ذلك بصوته الشريف في
واحدة من نداءآته الثلاثة التي خاطب بها الشعب العراقي قبل استشهاده في
فترة الحصار عام(1980).
ثالثاً ـ وضوح النظرية والمنهج الذي كان يسير عليه، فمن المعروف أن
سيدنا الحكيم أمضى ثلاثة أشهر في سورية بعد خروجه من العراق عام 1980م
قبل ان يستقر في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، وفي هذه الفترة وضع
الخطوط الاستراتيجية للعمل واسلوب العمل الجهادي المعارض وبرنامج
المواجهة مع نظام صدام البائد، وتنظيم المواجهة وتعبئة الطاقات. وهكذا
وبعد عرض اطروحته على أطراف المعارضة في الساحة السورية توجه إلى إيران
في تشرين الثاني 1980م ، ليقود المعارضة من هناك ، ويتحرك في كل
المجالات الموصلة إلى الهدف، وفق المبادئ والآليات التي وضفها في تحركه
الذي امتد لما يقرب من ربع قرن وتكلل أخيراً بسقوط الدكتاتورية وانطلاق
الشعب من أسر جلادّه.
رابعاً : امتاز شهيدنا الكبير (قده)، بالدقة في فهم الأمور وفي طرحها
وتحليلها، ولذلك أوكل إليه السيد الشهيد الصدر(قده) مراجعة كتابه
فلسفتنا، وسماه في كتاب اقتصادنا بـ(العضد المفدى)، حيث كان يراجع معه
فصول الكتاب ويشرف على طبعها على الرغم من الظروف القاسية الصعبة
آنذاك.. طوقد تجلت هذه الدقة التي انبثقت عنها آراؤهُ الثاقبة
وتحليلاته العميقة ، واستنتاجاته الحكيمة الصائبة في حركته السياسية
وقيادته لحركة المعارضة بشكل عام.. وكانت أطراف المعارضة تشخص هذه
الصفة لدى السيد الحكيم فتحترم آراءه وتتبنى مواقفه، ولا تستغني عن
توجيهاته. فقد كان لا يقبل بالتحليلات غير المنبثقة عن دراسة وأرقام
وشواهد.. ونكتشف الدقة التي عُرف بها أيضاً في الابحاث التي كتبها وفي
الآراء التي كان يطرحها في سائر المراحل التي مرت بها القضية العراقية
قبل سقوط النظام الدكتاتوري وفي خطبه، و محاضراته، الفكرية، والسياسية
والثقافية في المناسبات الكثيرة، حيث كان الخطاب السياسي العام
للمعارضة لايبتعد عن استنتاجاته كثيراً.
خامساً ـ علاقته العاطفية والعقلية العميقة بأهل البيت (عليه السلام)،
عاطفياً وعقلياً وتمتاز هذه العلاقة بوعيه لدور أهل البيت في حفظ
الإسلام والدفاع عنه، وبمظلوميتهم .. وبالاخص السيدة الزهراء البتول
(عليها السلام)، فقد كان كثيراً ما يبكي ولا يملك نفسه من التأثر
العاطفي عندما يمر على مظلومية الزهراء (عليها السلام) في حديثه عن
ظروف شهادتها ، وكذلك كانت له خصوصية في العلاقة مع الإمام الحسين(عليه
السلام)، فقد أعتاد على قراءة مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) في يوم
عاشوراء بنفسه في كل عام، وعندما كان يمر على الفصل الأخير في المصيبة
لايملك نفسه من التأثر الشديد والبكاء المرّ ويرمي بعمامته ويلطم على
رأسه من شدة تأثره حتى يخيل لمشاهده أنه يرى الشمر اللعين جاثماً على
صدر الحسين الشريف ويقوم بحزّ أوداجه بخنجره. وكان يطرح أعمق الأبحاث
عن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) وعن أدوار أهل البيت في بناء
الجماعة الصالحة ، ويعبرّ ذلك عن وضوح الرؤيا وعمقها لديه (قده)،
وطالما كان يختنق بعبرته حين يمر برواية خاصة عن أهل البيت أو أصحابهم.
سادساً ـ ومن السمات البارزة في حركة شهيد المحراب اهتمامه بالأمور
الاجتماعية لايشغله عن ذلك زحمة برنامجه السياسي وحركته الميدانية
اليومية. فيحضر المناسبات الاجتماعية ، ويعقد قران الأزواج، ويتفقد أسر
الشهداء والمضحين، ويصل أرحامه ويهتم بشؤونهم، ويهتم بالناس ومشكلاتهم
ويسمع الشكاوى، ويساهم في حل المشكلات الفردية وغير الفردية، ويحضر
مراسيم الفواتح.. وغيرها
سابعاً ـ الاستفادة القصوى من الوقت، وتنظيم عمله بوفق برنامج دقيق..
وحتى أثناء وجوده في السيارة، أثناء تنقله بين طهران وقم مثلاً، كان
(قده) يستثمر هذا الوقت، أما في اكمال بحوثه، أو مطالعة تقرير، أو
قراءة القرآن الكريم، حتى ينقل عن أحدهم ممن كان يرافقه أنه كان لا
يستطيع أن يتكلم مع السيد في السفر؛ لانشغاله طوال الوقت. والمعروف عنه
أنه كان يعمل ستة عشر ساعة في اليوم، وكان لا يترك نفسه فارغاً بدون
برنامج عملي يملأ به الوقت المتاح أمامه.
ثامناً ـ كان (قده) يمتاز ببعد الهمة لا يقعد فيه ضعف أو يأس في القضية
التي تبناها منذ إعلانه المعارضة السياسية للنظام الصدامي في العراق
عام 1980، حيث كان هاجسه الأول والآخير هو انقاذ الشعب العراقي من قيد
الأسر الصدامي وطرق الأبواب المؤدية إلى انقاذه من ظلم النظام
الدكتاتوري، فكان يوجه الرسائل والمذكرات إلى الأمم المتحدة والمنظمات
الإنسانية والتقى فعلاً بالأمين العام للأمم المتحدة (ديكويلار) عام
1992،
ويوجه الرسائل إلى رؤوساء الدول.. ويلتقي بسفراء الدول المختلفة، وزار
بريطانيا، وسويسرا، ولبنان، وسورية, وتكررت زياراته إلى الكويت
والسعودية، وأسس المركز الوثائقي لحقوق الإنسان الذي جمع فيه عشرات
الآلاف من وثائق تجريم النظام البعثي، ويعقد المؤتمرات ويشارك في
الأخرى بشكل فعاّل أو يرسل من ينوب عنه، كما حصل في مؤتمر لندن وصلاح
الدين واجتماعات المعارضة في واشنطن، وكان لهذا التحشيد السياسي أثر
بالغ في تأييد مظلومية الشعب العراقي عالمياً واقليمياً خصوصاً بعد
الانتفاضة الشعبانية عام 1991وعمليات النظام ضد الكرد في حلبجة
والأنفال..والمجال هنا يطول في ذكر الشواهد والأدلة والأرقام على
تفصيلات الحركة الدائمة للسيد الشهيد في حمل مظلومية الشعب العراقي،
وتحشيد طاقات المعارضة حيث كان شهيد المحراب بحق هو الرجل الأول الذي
تشرئب له الأعناق في المعارضة فحمل همومها وتحدث عن أهدافها وتطلعاتها
المشروعة.
تاسعاً ـ كان (قده) يؤمن بالعمل المؤسساتي في السعي لتحقيق الأهداف..
فكان أول تشكيل سياسي هو المجلس الإسلامي الاعلى للثورة الاسلامية في
العراق عام 1982م، الذي استهدف منه حشد القوى الإسلامية في الساحة
العراقية والتحرك بها تحت خيمة واحدة، في ساحة تتسع لظهور حركات وقوى
معارضة للنظام، وهذا هو الذي تحقق فعلاً، خصوصاً مع اقتراب سقوط النظام
وبروز الضعف الداخلي في بنيته بسبب الضغوط الداخلية والخارجية عليه.
ولم يكتف بهذه المؤسسة السياسية، بل قام بتشكيل مؤسسات إنسانية، مثل
مؤسسه الشهيد الصدر التي كانت تقدم خدمات إغاثة للعراقين الذين هجّرهم
النظام خارج الحدود، وانبثقت عنها مشاريع صحية لرعاية العراقيين في
إيران وسورية ..، كما ارتبطت بحركته (قده) العديد من جمعيات ومنظمات
حقوق الإنسان في أوربا واسيا، لنقل مظلومية العراقيين إلى المحيط
الدولي والاقليمي.
عاشراً ـ كان (قده) يؤمن بقوة بدور المرأة السياسي، والاجتماعي،
والثقافي، انطلاقاًَ من تقييمه العالي لفاطمة الزهراء(عليها السلام)،
وزينب الحوراء (عليها السلام)، والعلوية العالمة الشهيدة بنت
الهدى(قده)، ولهذا كان يرعى هذا الدور ويشجع المرأة ، وادخل العنصر
النسائي في حركة المجلس الأعلى، وعلى مستوى المشاركة في صنع القرار
فيه، وأشركها في مؤتمرات المعارضة، ودعم المراكز النسوية، وكان يستقبل
النساء العاملات في الساحة، ويرشد إلى ملامح خط العمل، ويوضح النظرية
الإسلامية في وظيفة المرأة ودورها المكمل لأخيها الرجل.. وكان ينطلق في
ذلك من التجسيد العملي والقدوة الحسنة من خلال استعراض حياة الصديقة
فاطمة الزهراء(عليها السلام) خلال وقوفها مع أمير المؤمنين في محنته،
ومشاركة الحوراء زينب(عليها السلام) في نهضة أخيها الإمام الحسين (عليه
السلام) قبل وبعد استشهاده (عليه السلام) ، وكذلك الدور العظيم للشهيدة
بنت الهدى بوقوفها مع اخيها الشهيد السيد الصدر (قده) في حركته الثورية
الشجاعة بوجه ظلم الطاغية صدام ونظامه الفاشي المقبور.
الحادي عشر ـ مؤهلاته الروحية وحالاته التعبدية، فقد كان(قده) دائم
الذكر لله سبحانه فشفتاه ولسانه يتحركان دائماً بذكر الله وبشكل ملفت،
مما يدل على نفاد بصيرته في الله تعالى ،والذي يتجسد في كثرة مطالعته
في كتاب الله الكريم وتمتعه في آياته ، فهو أستاذ علوم القرآن لأحد
عشرة سنة في كلية أصول الدين، ومحاضراً في إيران بهذا الاختصاص وله
أبحاث عميقة في التفسير، منها تفسير سورة الحمد.. ، كذلك نجد مؤهلاته
الروحية العالية في توكله على الله تعالى وزهده، ونقاء فطرته، وطهارة
نفسه، حتى ينقل عنه نجله سماحة السيد صادق الحكيم أنه كان يغلب عليه
حسن الظن بالأخرين..، منشغلاً بنفسه عن غيره، وكثيراً ما واجه إساءات
الآخرين بالتحمل والصبر والإحتساب ، حيث كان الغالب على دعائه في
القنوت الصلاة قوله تعالى:{ربنا أغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا
بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ، ربنا أنك رؤوف رحيم<.
الثاني عشر ـ كان الشهيد الحكيم (قده) يتمتع بطاقة معنوية وروحية عالية
، وقدرة بدنية متجاوبة معها، تتجسد في مواصلة العمل حتى ساعة متأخرة من
الليل، وببرنامجه الحركي المتنوع والمعروف بتفاصيله السياسية،
والثقافية، والفكرية، والاجتماعية، والتنظيمية، سئل أحدهم وكان من
قيادات المجلس ومن رؤوس العمل الإسلامي في الساحة، أثناء سفره مع السيد
الشهيد الحكيم إلى بريطانيا أيام المعارضة وعن البرنامج الذي كانوا
يسيرون عليه فيها، فأجاب كنا نلهث وراء حركته و لانكاد نلحق به، من
ازدحام فقرات البرامج المتصلة ليلاً ونهاراً، حيث لم يجد المرافقون معه
وقتاً لأخذ قسط من الراحة.
وهذه الصفة المميزة يذكرها عنه كل الذين كانوا يحتكون معه في برامجه في
السفر وفي الحضر.
فإذا أضفنا هذه الميزة في شخصية شهيد المحراب(قده) إلى الصفات الأخرى
المتفرد بها، حصل لدينا ما يصح ان نطلق عليه بالموهبة أو بالتوفيق كما
في الاصطلاح الديني .. فقد كان في الواقع على درجة عالية من التوفيق ،
نظراً لما يجده الله تعالى فيه من الاستعداد لتلقي حالة يمكن ان نطلق
عليها الاصطفاء النسبي، يتفضل بها الله سبحانه على بعض عباده كرحمة
خاصة لأسباب يعرفها أهل الاختصاص.
الثالث عشر ـ كان (قده) يكّن احتراماً خاصاً للعاملين في الساحة، ولا
يتناول أي أحد منهم بالسوء، ويحاول في تفسيراته لسلوك الآخرين السلبي
تجاهه ايجاد مخرجاً ، وإذا تناوله فبحدود القيد الشرعي. وكان لشدة
تقيده بالحكم الشرعي يرد بقوة على من يراه متجاوزاً على حرمة مؤمن
فيجابه المتكلم و لايقبل منه استمرار الحديث.. وكان متقيداً بالحكم
الشرعي حتى في لباسه (قده).وتنقل عن حرمه، أنه كان يلبس ويرقع ملابسه
الداخلية بنفسه ويلبسها تحت ثيابه الظاهرة، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً..
ويدل هذا على حالة من الزهد، والتشبه بحياة الأئمة (عليهم السلام)، فقد
كان كثير التأسي بالأئمة في حياتهم وأخلاقهم وسلوكهم وسائر حالاتهم.
وكان لا يبالي تنبيه الآخرين إلى خطأهم، ومنطلقه في ذلك شرعي وليس
شخصي.
الرابع عشر ـ لعل الموهبة القيادية هي من المع ما يلحظ لدى شهيد
المحراب في قوة شخصيته وشجاعته وحسن إدارته ودقة عمله وبُعد نظره، وهذا
ما اهّله لقيادة العملية التغييرية ، إذ تجمعت في شخصيته الملكات
الفطرية والمكتسبة التي وضعته في المكانة اللائقة بمن يتصدى لمهمة
تأريخية كبيرة ويجابه أعتى نظام في العالم. وسيدنا الحكيم باعتراف
الآخرين، وبالتأييد الجماهيري المليوني الذي استقبل به عند عودته
للعراق، الذي شبه بالبيعة حاز المؤهلات القيادية بأعلى درجاتها. ومما
يمكن رصده من المؤهلات القيادية التي استجمعتها شخصية شهيد المحراب هي:
1- الفقاهة، حيث إن سيدنا الحكيم لنبوغه قد حاز درجة الاجتهاد من كبار
الفقهاء في سن مبكرة. وهذا ما يمكن رصده في نظرية تحركه وتصديه وثبات
رؤيته حتى استشهاده ، فهو يعتقد أن القيادة في الإسلام تكون من اختصاص
الإنسان الصالح الذي يكون مجتهداً متصفاً بالشجاعة، والصبر، والدراية
السياسية، والاجتماعية، والتصدي للأنظمة الجائرة ، ويتم انتخاب هذه
القيادة من الأمة بالاختيار الطبيعي من خلال المعايشة والاكتشاف
والتجربة والقرب.
2-
الإرادة القوية غير القابلة للانكسار في أحلك الظروف والصمود أمام
الضغوط المعاكسة، ولعل موقفه الشجاع عند اعدام عشرة من عائلته عام 1983
في الوجبة الأولى والثانية عام 1985 من قبل النظام الصدامي وقولته
المأثورة ((هيهات منا الذلة)) من على منبر الجمعة في طهران حيث عبرّ عن
إرادته القيادية.يكشف عنة قوة الإرادة والصمود والشجاعة.
3- التحمل والصبر أمام شتى الضغوط، وقد واجه السيد الحكيم مثل هذه
الضغوط من الخارج ومن بعض فرقاء العملية السياسيةفي مراحل مختلفة،
وواصل المسيرة لأن الطريق واضح أمامه وقد اتخذ الاحتياطات ووضع المصدات
لمنع أي ليونة في الإرادة.
4- القدرة على اتخاذ القرار، وخصوصاً في الظروف الصعبة، وهذه الميزة
واضحة بعد تتبع تنقلات حركة شهيد المحراب في ما يقرب من ربع قرن من
التصدي اليومي في المواقف الكبيرة والصغيرة، والتي تتطلب اتخاذ القرار،
في شتى المواقف .. فقد عرض عليه البعض في مراحل كانوا يرونها مناسبة
بأن يوافق على خطة لتغيير النظام الصدامي، ولكنها تكلف دماءً كثيرة،
وتوقع ضحايا بين المدنيين، وفيها عنصر المغامرة ، إلاّ أنه وبحساب
القائد المسؤول عن شعبه.. منع مثل هذه الخطوة غير المحسوبة بدقة ،
وكانت رؤيته أن يتم التغيير المطلوب عن طريق تحرير إرادة الشعب ، وقد
بقى ثابتاً على موقفه هذا أمام الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن بعد
حرب تحرير الكويت وطالب بتقييد حركة النظام الجوية والأرضية في وسط
وجنوب العراق، كما هي الحال في شمال العراق ، ليتمكن الشعب من كسر حاجز
الخوف ويسقط النظام بنفسه.
5- الشجاعة، وهي من المؤهلات الأولية لدى أي قائد يتصدى لعمل كبير ،
وسيدنا الحكيم كان يتمتع بدرجة عالية من الشجاعة، فقد وصفه الإمام
الخميني(قده) بها في مواساته باعدام اخوته وعائلته، وكان أهلاً لهذا
الوصف وفي مواقف مشهودة كثيرة.
6- الأمل والتفاؤل بالمستقبل، ففي أحلك الظروف كان السيد الحكيم يعيش
الأمل وينتظر انفراج الأزمة وهزيمة الدكتاتورية بالحسابات المادية
والروحية.. وكان يتطلع إلى أيماء بأمل الأنبياء والأولياء، و يثق بقدرة
الشعب العراقي على صنع ملحمة النصر، كما صنعها في انتفاضة عام 1977,
و1979، 1991. وكان يردد أنه سيستمر بهذا الطريق حتى لو بقي وحده، وهي
حالة عجيبة ناتجة عن بصيرة نافذة وثقة بالمستقبل.
7- الإدارة الناجحة . كان السيد الشهيد (قده) يتمتع بالدقة وتنظيم
الطاقات وتحريكها وزجها في المعركة، والاستفادة القصوى من الوقت،
والعمل المؤسساتي، والمتابعة اليومية ، وتسجيل الملاحظات، وكتابة
البرنامج اليومي، وتطبيقه، والمحاسبة عليه، وهي صفات معروفة عنه، قد تم
كشفها من خلال تعليقاته على التقارير التي يقرؤها، ودخوله بالتفاصيل
وهوامشه المعبرة عن الدقة وحسن المتابعة.. وهي صفات نادرة، ولعل ذلك من
أسباب نجاح عمل السيد الحكيم وبقاء خطه ونموه واتساعه.. فقد أصبح الآن
يعرف بتيار(شهيد المحراب)، وهو تيار رسمي ومؤسساتي معاً والذي أنتج في
الساحة ثلاث مؤسسات ، احدهما سياسية، وهي المجلس الأعلى الإسلامي
العراقي، وأخرى مدنية وهي منظمة بدر، وثالثة ثقافية تبليغية وهي مؤسسة
شهيد المحراب، وتعدّ من أفضل المؤسسات وأكثرها فاعلية في الوضع العراقي
الحالي من حيث التنظيم والضبط والفاعلية،والمواقف المدروسة والمعقولة
وتحظى باحترام الآخرين.
8- وحتى على مستوى المؤهلات البدنية، فأنها كانت متوفرة في شخصية شهيد
المحراب، كالصحة والقدرة البدنية للعمل في أصعب الظروف وأكثرها
إرهاقاً، وفي القدرة الخطابية الفائقة، ووضاءة الوجه ونورانيته، وعمامة
السادة من سلالة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.. ويمكن أن
نضيف لذلك الانحدار العائلي، فهو وريث مرجعية الإمام الكبير السيد محسن
الحكيم(رض)، والمرجع النافذ في العالم الإسلامي عامة ولدى أتباع أهل
البيت خاصة، والمعروف بالمواقف السياسية والشجاعة والقيادة الناجحة..
وهذه مؤهلات مضافة لكنها تكون ضرورية في أحيان كثيرة.. وهي أمتداد
أيضاً لسنة الاصطفاء لبيوت الطاهرة التي أكدها القرآن الكريم : {(إن
الله اصطفى بني آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية
بعضها من بعض).
9-
الاستعداد للتضحية وسبق الآخرين فيها ونكران الذات .. فقد قدم شهيد
المحراب أكثر من ستين شهيداً من اسرته، في سبيل الله ومن أجل المصلحة
الإسلامية العليا، ومواساة الشعب الذي لم يبخل بالتضحية وهو يرى قيادته
تتحمل هذه السيول من الدماء والتلال من الجماجم.. وتضحية السيد الحكيم
ونكرانه لذاته أمور معروفة في الساحة السياسية. ولعل آخر تضحية قدمها
السيد الحكيم قبل أن يجود بنفسه ويتمزق جسده الشريف ارباً في الجمعة
السوداء في غرة رجب 2003 هي أنه أثر البقاء على قيادة التيار على
التفرغ للمرجعية الدينية، وهو يحمل مؤهلاتها بكفاية، فقد كان تخطيطه في
بداية رجوعه للعراق أن يتخلى عن العمل السياسي ويتفرغ للمرجعية فلديه
مشاريع كبيرة فيها، تتحق بها آمال استاذه الفذ الإمام السيد محمد باقر
الصدر(قده) ولكنه أثر أن يبقى متواصلا مع العمل السياسي وفي قيادة
المجلس الأعلى؛ لحفظ هذا الكيان الذي يخوض الآن أصعب معركة سياسية
للدفاع عن مكتسبات التغير والتقدم إلى أمام في خدمة الشعب العراقي
النبيل الذي كان يحبه السيد شهيد المحراب(قده)، ويسعى لتحقيق أهدافه في
الحرية والعدالة والاستقلال.
10- القدرة على توظيف الخبرة والتجربة، تميز سيدنا الحكيم بصفة توظيف
التجربة والخطأ والصواب في العمل للوصول إلى أحسن النتائج وأكثر
المواقف حكمة وأبعدها ستراتيجية ونظراً. والقيادة الناجحة هي التي
تكتسب حكمة في كل يوم وتتعلم من كل خطوة، وتفيد أيضاً من أخطاء الآخرين
في كيفية تجنب المواقف المؤذية . ونظراً للمؤهلات الذهنية العالية
وممارسة العمل الحركي في سن مبكرة، تجسدت في إرهاصات تأسيس حزب الدعوة
الإسلامية التي ساهم فيها مع آخرين، وتجربته مع والده المرجع الأعلى
وأستاذه المرجع الكبير السيد الصدر وأكثر من عشرين عاماً من العمل
المتواصل الذي لا ينقطع منذ عام 1980 وحتى سقوط النظام فقد اختزنت
ذاكرة العمل لدى السيد الحكيم مئات التجارب وكانت تمثل خزيناً هائلاً
من الخبرة والاستنتاجات الصائبة والمواقف الحكيمة وبُعد النظر واستشراف
المستقبل ، ومن هنا فإن القيادة الحالية الوريثة للسيد الشهيد المتثملة
بسماحة السيد عبد العزيز الحكيم الذي كان لصيقاً بشهيد المحراب(قده) قد
عاصرت معظم التجارب وأضافتها إلى خبرتها، لهذا ظل تيار الحكيم بعيداً
عن الصراعات الداخلية والانقسامات، وكانت مواقفه على طول الفترة ثابتة
وواضحة وآراؤه رصينة وموضع احترام الصديق والمنافس والمراقب.
11- تميز السيد شهيد المحراب (قده) على المستوى العلمي بغزارة الانتاج،
ففي مجال الفكر فعلى الرغم من مشاغله اليومية فإنه أنتج عشرات الابحاث
والمؤلفات القيمة.. وكتب مئات الدراسات في شتى المناسبات، والقى مئات
المحاضرات الفقهية والخطب العميقة في المناسبات الدينية والسياسية
والثقافية والعلمية، ولعل ما أخرجته مؤسسة تراث شهيد المحراب من كتب
كثيرة حتى الآن ، وأخرى ما زالت تنتظر الطبع والتجميع، يكشف عن غزارة
الإنتاج الفكري .. كما وان بحوثه الفقهية في السنوات الأخيرة من عمره
الشريف التي طرح فيها بحث المرجعية السياسية العميق كجانب تخصصي في عمل
المرجعية الدينية، وهذه النظرية تمثل أمتداداً لأبحاث أستاذه السيد
الصدر في المرجعية الصالحة والرشيدة، كل هذا يدل على الفقاهة العامة
والمتخصصة بدرجة عالية.
إن غزارة الإنتاج في العمل السياسي والفكري وعلى مستوى الحركة
المؤسساتية، والميدانية، والتنظيمية التي يشرف السيد الشهيد على
العشرات منها يدل على مؤهلات عالية الكفاءة تؤشر بوضوح على المؤهلات
العامة التي تميزت بها شخصية سيدنا الحكيم.
فسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد وأعطى، ويوم يبعث حياً مع الأنبياء
الشهداء والصديقين والأولياء. |