|
صفحات مُشرقة من تاريخ
الحوزة العلمية في ثورة العشرين
- كان للحوزة العلمية دور في حفظ النظام واستتباب
الأمن أثناء اندلاع الثورة، حيث دعت إلى اجتناب العبث بمؤسسات الدولة،
وعدم تهديم أبنيتها إلا إذا كانت معتقلات.
- مارست الحوزة العلمية نشاطها
السياسي في هذه المرحلة من خلال حزب(النجف السري) الذي تطور بعد اندلاع
الثورة وأصبح يطلق عليه (الحزب الوطني)، حيث اهتم هذا الحزب بتشكيل
إدارة مدنية تولت إصدار المناشير والبلاغات الحربية.
عباس محمد حسن/ باحث واعلامي
أسهمت الحوزة العلمية مساهمة فعالة في ثورة العشرين، إذ قامت بدور
أساسي في تهيئة المستلزمات لقيام الثورة حين كان للعامل الديني الحافز
الأول في تهيئة أذهان الناس؛ لتقبل فكرة الثورة على المحتل البريطاني
البغيض، من خلال الفتاوى التي كانت لها الدور الأكبر في تعبئة الجماهير
نحو الثورة، وشكلت الحوزة العلمية وقياداتها الدينية عنصراً في إيقاد
شرارة ثورة العشرين وتعبئة الجماهير لها، وخصوصاً من خلال فتاوى ومواقف
الإمام (محمد تقي الشيرازي)،

فقد كان أشبه بمظلة تقع تحتها كل رجالات
الثورة، فقد نقل الثورة من مرحلة العمل (السياسي)البطيء والمتحرج
والمحفوف بألف مؤامرة وخطر إلى مرحلة العمل العسكري الذي لايقبل
التزويد والخداع والتردد فيه، وذلك أشجع قرار يمكن أن يتخذه قائد حكيم
في الثمانين من عمره (محمد تقي الشيرازي)، فالاحتكام إلى السلاح هو
آخرما تفكر فيه القيادات الحكيمة والمسؤولة، وكان للحوزة العلمية دور
في حفظ النظام واستتباب الأمن أثناء اندلاع الثورة، حيث دعت إلى اجتناب
العبث بمؤسسات الدولة، وعدم تهديم أبنيتها إلا إذا كانت معتقلات ، كما
أوصت بتنظيم الشؤون الداخلية والابتعاد عن الفوضى والانحلال الذي كان
من المتوقع حدوثه في ظروف كهذه ، ولذلك شكل (الشيرازي) قائد الثورة في
تموز1920م ثلاثة مجالس لإدارة الثورة هي (المجلس الحربي) ومهمته تنظيم
الخطط الحربية وأداء شؤون الثوار وتنظيم الحملات، وكان هذا المجلس يضم
عدداً من رؤساء العشائر والقبائل، و(المجلس المحلي) ومهمته توجيه
الإرشادات الدينية فيما يخص الثورة ، ويضم السيد (هبة الدين
الشهرستاني، السيد أبو القاسم الكاشاني، والشيخ أحمد الخراساني، والسيد
حسن القزويني، والشيخ عبد الحسين نجل الإمام الشيرازي)، و(المجلس
المحلي) ومهمته الأشراف على إدارة البلاد والأمن الداخلي وتعيين
الموظفين والشرطة وتأمين الطرق، وكان يمثل (الشيرازي) في هذا المجلس
الشاعر(محمد حسن أبو المحاسن)، وكان هناك مجلس رابع شُكّلَ لجمع
التبرعات والمعونات لعوائل الثوار والمجاهدين ولم تقف الحوزة العلمية
عند هذا الحد بل كان علمائها الشعراء يخرجون إلى ميادين القتال ويلقون
على مسامع العشائر القصائد الحماسية التي تتحدث عن أعمال البريطانيين
ونكثهم بوعودهم وحَثَّهم على الثبات في المعركة حتى تحقيق الاستقلال.
مارست الحوزة نشاطها السياسي في هذه المرحلة من خلال حزب(النجف السري)
الذي تطور بعد اندلاع الثورة وأصبح يطلق عليه (الحزب الوطني)، حيث اهتم
هذا الحزب بتشكيل إدارة مدنية تولت إصدار المناشير والبلاغات الحربية،
وحرصت الثورة من خلال هذه المناشير على ابراز هدف الثورة في الاستقلال
التام وتوجيهها الوجهة الصحيحة خشية أن ينحرف المغرضون أو الجهلة بها
بعيداً عن مسارها ويشوهّوا مقاصدها بإيعاز وتدبير من سلطة الاحتلال أو
تحت وطأة الجهل الذي سيطر على عقول الكثيرين في تلك المرحلة، لذلك دعت
إلى ضرورة تنوير الأذهان وتوجيهها نحو الاستقلال، وكانت على عاتقها
مسؤولية كبيرة على المستوى الميداني فقد واجهت القوات البريطانية التي
كانت بقيادة السير(المر هالدين) والتي كانت تضم(133) ألف جندي
منهم(4200) بريطاني والباقي من جنسيات مختلفة أغلبهم من الهنود، وكانت
هذه القوات مُدربة ومسلحة بالأسلحة الحديثة بما فيها المدافع
والطائرات، لكن الحوزة العلمية استطاعت من قيادة الثورة بصورة صحيحة
وسرعان ما جعلت نيران الثورة تمد إلى باقي مناطق العراق من أقصى الشمال
إلى الجنوب خصوصاً بعد أن أعلنت الثورة في تموز ورفع علم الثورة على
سرايا الحكومة حيث تمكن ثوار الرميثة من قطع خطة سكة الحديد وقاتلوا
البريطانيين الذين تقدموا نحو المدينة وحاصروهم حصاراً شديداً على
الرغم من قصف الطائرات، فتراجع البريطانيون نحو الحلة وحَرَّرَ الثوار
مدينة الشامية فانسحب جيشهم إلى الديوانية ممّا شجع بقية أبناء المدن
الأخرى على إعلان الثورة، وكذلك كان لها الدور الكبير (الحوزة العلمية)
في معركة الرارنجية التي أصِدرت أوامرها إلى الثوار يوم(24 / 7 / 1920)
، فهاجموا قوة بريطانية كبيرة عند قناة (الرستمية) قرب الكفل في الحلة،
فتراجع البريطانيون نحو الحلة بعد أن فقدوا (381) جندي، وكانت غنائم
الثوار(40 رشاشاً وعدة مدافع)، وقد قال عن هذه المعركة السير(ألمر
هالدين) : (( لقد قاتلت الألمان أربع سنوات في الجهة الغربية من أوربا
أثناء الحرب العالمية الأولى لكنني لم أُصِبْ بدوامةٍ كتلك التي أصبت
بها وأنا أقاتل العراقيين، وأن هذا لم يحدث طوال حياتي العسكرية لقد
كانت تلك الأيام كأنها سنوات))، وقد هاجم الثوار عِدة بواخر بريطانية
بإشارة من القادة في الحوزة العلمية منها :(باخرة كرين أفلاي) وأسروا
جنودها، وباخرة(فابر أفلاي) وغيرها من السفن الحربية التي أُستخدمت
فيما بعد لقتالهم، أَما في(السماوة) فقد قامت الزعامات الدينية فيها
بتوجيه الثوار لتدمير خط سكة الحديد؛ لعرقلة إرسال النجدات للقوات
البريطانية وتمكنوا من إسقاط طائرة تحطمت وقتل قائدها، مما أضْطَّرَ
البريطانيون إلى إخلاء المدينة ، وسيطر الثوار كذلك على مدينة (بعقوبة)
وشكلوا فيها حكومة بقيادة وتوصية زعماء الدين فيها، وامتدت الثورة
إلى(أربيل،والموصل، والسليمانية).
وأصبحت(بغداد) شُبه مُحاصرة بعد أنَ وصل الثوار قرب(المسيب) وعَطلّوا
خط سكة الحديد بين(بغداد و الحلة) وهاجموا (المحمودية) ممّا اضطر حاكم
بغداد العسكري إلى إنشاء الحصون والمعاقل استعداداً لمواجهة الثوار.
استأثرت الانتصارات التي حققها الثوار في العراق باهتمام الرأي العام
العالمي والعربي؛ كونها تعبر عن طابع فلاحي وبقيادة دينية وحوزوية
بحتة. وواجهت الحكومة البريطانية مُعارضة داخلية نتيجة لحرب الإبادة
التي شنتها ضد الشعب العراقي بعد أنْ تكبدت خسائر بشرية ومادية مُقدّرة
بـ(2269) إصابة، ومادية مُقدرة بـ(20ـ 40) مليون جنيه أسترليني، وعلى
أثر هذا كتبت جريدة (التايمز اللندنية) تقول: ((إنهُ يجب أن يوضع حَد
لهذه الحماقة ويجب على الحكومة تفسير سياستها في الشرق الأوسط)).
بعد أن اجتاح المد الثوري مُعظم العراق، حاول الاحتلال البريطاني إيقاف
هذا المد من خلال توجيه كتباً تتضمن طلب المفاوضات إلى شيخ
الشريعة(الأصفهاني) الذي تولى المرجعية الدينية فجاء رد
(الأصفهاني):أنْ تكون المفاوضات على أساس استقلال العراق استقلالا
تاماً خالياً من كل شائبة ، وبذلك أحُبطت محاولة العدو. من ذلك نستنج
أن دور الحوزة العلمية في الحركة السياسية والاجتماعية دورُ أساسي
أثناء الثورة باعتبار المرجعية هي الفضاء الشرعي التي يستند عليها
التحرك والنهوض، ولولا تحرك العلماء بقيادة (الميرزا الشيرازي) لما
قامت ثورة العشرين الوطنية التي هدفها الحصول على الاستقلال التام
وتُشيد دولة عراقية، فكانت تمثل تجسيداً وحدوياً كبيراً بين فئات
الشعوب كافة حتى أصبح صوتها صوتاً واحداً انبعثت منهُ قوة صارعت أقوى
جيشاً استعمارياً في ذلك العصر وأذاقته الذل والهوان مِمّا دفع الرأي
العام البريطاني وبعض النواب البريطانيين في مجلس العموم إلى المطالبة
بالانسحاب من العراق، واقترح بعضهم الاكتفاء بمدينة (البصرة) أخيراً
اضطرت بريطانيا إلى تغيير سياستها وانتهاج سياسة معتدلة، وكان ذلك
نتيجة لبرنامج واضح وقيادة حكيمة وصحافة عبرت عن أهدافها وتحقيق
مآربها. |