|
الاقتصاد العراقي وبدائل النفط المقترحة
- لعل من أولويات المرتكزات الأساسية
للنهوض بالاقتصاد أن يكون لدى القائمين على عملية التنمية الاقتصادية
رؤيا واضحة وحكيمة لطبيعة مكونات الاقتصاد العراقي.
- إن دراسة تطور البنية الاقتصادية يضع القائمين على
قيادة المؤسسات الاقتصادية أمام خارطة واضحة الرؤيا تضع الأولويات
للمشاريع التي تسهم في ديمومة الاقتصاد ونموه وتطوره.
أمجد حامد / باحث في الشؤون الاقتصادية
يمر العراق بظروف استثنائية يصعب إجراء تقويم موضوعي لأداء الاقتصاد
العراقي ورسم البرامج التنفيذية. فتوافر الأمن شرط أساسي لازم من أجل
تفعيل القرارات، والإجراءات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، منها
البنية التحتية، والعمل وتحسن الظروف المعيشية للمواطنين، كما أن غيابه
يجعل من أية إجراءات اقتصادية إصلاحية ضرباً من العبث.
إن تراجع النمو الاقتصادي في العراق سببه الأساس السياسات الخاطئة،
وسيطرة الدولة على مجمل النشاط الاقتصادي في عهد النظام السياسي السابق
وما رافقه من سوء إدارة، وعدم القدرة على تشخيص العوامل الفاعلة في
تحقيق التطور، وفقدان المعايير لاتخاذ القرارات الاقتصادية المناسبة،
حيث اختلت البنى الهيكلية للأنشطة الاقتصادية بالتالي صعوبة تحديد
البدائل الاقتصادية، والفنية في تحديد الأفضل لمتطلبات المشاريع
التنموية، والمضي في تنفيذها، وتوفير مستلزمات نجاحها، وتشغيلها بكامل
طاقاتها الأمر الذي ساهم في تدني كفاءة الإنتاج، وشيوع ظاهرة البطالة
بصورة فاضحة نتيجة لتعطيل منشآت القطاع العام، وعدم قدرة القطاع الخاص،
من الجانب الآخر الاضطلاع بعملية التنمية إضافة لدائرة الحروب المستعرة
بين الأعوام 1980 ـ 2003 ، كذلك الحصار الاقتصادي الذي استنزف بدوره
موارد البلاد ولم يتبق سوى المورد المنفرد وهو النفط لتمويل نفقات
الميزانية العامة، وقامت الدولة بالتقليل من هذه المشكلة بإصدار نقدي
محلي غير مغطى باحتياطي عالمي مما سبب انخفاض القوة الشرائية إلى حد
كبير وتدهور سعر الدينار العراقي وردة الفعل الناتجة عن تلك السياسات
في تشويه حركة الأسعار وعدم فاعلية السوق.
ولعل الكارثة التي حلت في أوقات متأخرة من عمر العراق وهو ما حصل من
نهب، وتخريب، وتبديد للثروة الوطنية، وحرق الممتلكات العامة ، كل ذلك
جعل من مناهج الاعمار الاقتصادي تعاني من صعوبات كبيرة في التنفيذ
لتفاقم الجوانب الأمنية والاقتصادية، ثم أن هناك أرثاً آخراً هو متمثل
بظاهرة المديونية منذ عام 1982 حيث بلغت ديون العراق بعد نهاية حرب
الخليج الأولى في شهر آب 1988م بما يقارب 42 مليار دولار واستمرت هذه
المديونية بالزيادة لتبلغ 57 مليار دولار للفترة ما بين الأعوام (1991
ـ 1995)فيما تم فرض العقوبات الدولية بموجب قرار هيئة الأمم المتحدة
رقم (661) أثر اجتياح العراق للكويت ثم انقطعت التنمية بسبب انقطاع
تصدير النفط ، ولهذه الظروف العصيبة، فقد تمت معالجة الأمر مع الأمم
المتحدة بتصدير كميات محدودة تقابل قيمة الغذاء الذي يورد إلى العراق
بما أشتهر في حينه (النفط مقابل الغذاء والدواء).
وقد بلغت المديونية الخارجية على العراق نحو 120 مليار دولار في الوقت
الذي لم يتعد الإنتاج الإجمالي العراقي عن 8.5 مليار دولار ولذا فأن
نسبة الديون تشكل 20 مرة أكثر من نصيب الفرد من الناتج المحلي
الإجمالي.
ومن الطبيعي فأن عدم تسوية هذه الديون يشكل عائقاً كبيراً أمام نهوض
الاقتصاد العراقي إلى جانب عدم تدفق الاستثمارات الأجنبية وهو في أمس
الحاجة اليها، حيث لا يمكن للقدرات الذاتية أن تلبي متطلبات التمويل
والاستثمار الضرورية، وتسيير التنمية الاقتصادية في العراق خصوصاً تجاه
ضخامة المديونية.
ويمكن تقسيم المديونية إلى أربع مجموعات:
1- دول نادي باريس 40مليار دولار.
2- الدول الدائنة من خارج النادي 20 مليار دولار.
3- دول الخليج 30 ـ 40 مليار دولار.
4- الدائنون التجاريون 33 مليار دولار.
هذه التركة الثقيلة هي الوجه الأكثر عتمة في الاقتصاد العراقي، والتي
يراد معالجتها ووضع الخطط الفاعلة، أو التي يراد لها أن تكون كذلك في
المستقبل المنظور ووضع الاقتصاد العراقي في بيئة مناسبة كي يتعافى
بمرور الزمن كون العراق يتمتع بتوازن نسبي ما بين سكانه ومساحته
وموارده وموقعه للدرجة التي تؤهله أن يتمتع بقدرات تنموية هائلة للنمو
والتطوير.
ويُعد العراق من بين مجموعة الدول ذات الحجم المتوسط من السكان الأمر
الذي يفسر وجود حاجة كبيرة إلى القوة العاملة بمتنوع أصنافها،
ومستوياتها، وإلى توجيه استخدام الموارد الطبيعية، والمادية، لتوظيفها
في عملية التنمية البشرية، لاسيما وأن العراق يمتلك مساحات واسعة من
الأراضي الزراعية، والمياه، والثروات المعدنية من النفط، والكبريت،
والفوسفات، وبالتالي ديمومة مسار عمليات التنمية الاقتصادية
والاجتماعية في العراق.
لعل من أولويات المرتكزات الأساسية للنهوض بالاقتصاد أن يكون لدى
القائمين على عملية التنمية الاقتصادية رؤيا واضحة وحكيمة لطبيعة
مكونات الاقتصاد العراقي، وكذلك امتلاك عقلية تخطيطية لديها خبرة في
الميزة النسبية التي تتمتع بها كل محافظة مع عمق نظري يستقرِئ كيفية
تطور اقتصاديات بلدان العالم الثالث ذات المناخ والظروف المشابهة، أو
المقاربة للعراق كمصر، والصين، والهند. إن دراسة تطور البنية
الاقتصادية يضع القائمين على قيادة المؤسسات الاقتصادية أمام خارطة
واضحة الرؤيا تضع الأولويات للمشاريع التي تسهم في ديمومة الاقتصاد
ونموه وتطوره؛ لذا يجب التركيز في البدء على المشاريع ذات المردود
السريع والتي توفر التمويل للمشاريع الكبرى ذات المردود السريع والزمن
الطويل.
وعلى هذا الأساس وإذا أخذنا مكونات الاقتصاد العراقي فهي:
1- الزراعة وبكل أصنافها.
2- الثروة الحيوانية.
3- التجارة والخدمات.
4- السياحة والاصطياف.
5- الصناعة والمعادن.
6- النفط، والكبريت، والفوسفات، وجميع المعادن الأخرى المخزونة في باطن
الأرض.
إن هذا التصنيف وإن لم يكن يشمل بصورة كاملة كل مكونات الاقتصاد
العراقي، لكنه في الحقيقة قد نما على هذا الأساس. وبالنسبة للنفط فان
العراق ينتج كميات كبيرة ولكن متأخرٌ في تصنيع المشتقات النفطية ولم
تًُسهم إيرادات النفط في خلق صناعة نفطية متطورة ولم توظف كذلك لدفع
القطاعات الأخرى المكونة للنشاط الاقتصادي بأن تأخذ سُلّماً متطوراً
وإنما وظفت إيرادات النفط لمجالات ليست ذات تأثير في البنية الاقتصادية
التحتية.
لذلك تقتضي الضرورة وضع حلول من شانها تقليل تلك الآثار ولو بالحد
الأدنى والممكن سعياً لبناء هيكلية الاقتصاد العراقي وتوسيع قاعدته
الإنتاجية باعتماد جملة من السياسات من أجل تعزيز القدرات المالية،
والفنية للأنشطة الاقتصادية، وإعادة بناء المؤسسات، وتحديث صيغ عملها
من خلال الاهتمام بالإطار التنظيمي، والإداري لزيادة فاعليتها، وضمان
إعطاء زمام المبادرة للقطاع الخاص، وتنشيط عمل الوحدات الإنتاجية؛
لتحقيق الفوائض الاقتصادية ليتسنى عن طريقها وضع خطوات التكيف على
أساس:
1- الإسراع في تصحيح البناء الاقتصادي وبما يفسح المجال للقطاعات
السلعية غير النفطية للمساهمة في توليد الدخل العام.
2- العمل على مضاعفة الإنتاج في مجال استخراج النفط بما يسمح بالسيطرة
على القطاع الوطني، وتخصيص الجزء الأكبر من إيراداته لتمويل التنمية؛
لتأمين احتياطي العملات الأجنبية ودعم العملية التنموية.
3- إقامة المشاريع التنموية الصناعية الزراعية والخدمية.
4- توزيع الفعاليات الاقتصادية على مختلف أرجاء البلاد؛ لتحقيق تناسب
في معدلات التنمية في الاقاليم، وتعظيم العائد القومي باستغلال الموارد
المحلية المتوفرة من خلال أسلوب التوطين الصناعي وبناء مجمعات إنتاجية.
وهذه الملاحظات أو المقترحات إنما تخضع أولاً إلى نوعية ملائمة من
السياسات التي تسيرها في الإطار الايجابي ويضمن فاعلية تنفيذها على
الوجه الصحيح، والسياسات هي:
أ. التوجه نحو سياسة اقتصاد السوق.
ب. تنمية الصناعات الصغيرة.
ج. الاستثمار الأجنبي وتعزيز الاقتصاد الدولي.
وفي الوقت الذي يواجه الاقتصاد العراقي كل ما ذكرنا من مشكلات وتركة
رهيبة إنما عليه أن يواجه كل ذلك ببرامج عملية في الميدان الفعلي على
وفق المتغيرات السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، وذلك من خلال تهيئة
الظروف للإصلاح والتقويم على أسس منطقية، فيستلزم ذلك رسم أطر عامة
ووضع السياسات الكفيلة للإصلاح الاقتصادي إلى جانب المراقبة والإشراف
وُصولاً إلى استعادة عافية مستقرة وتمكين المتغيرات التي تحكم عملية
التنمية وأداء فعلها على الوجه الأكمل.
ويمكن للسياسات الاقتصادية أن تُفيد من الخطوات التالية:
الخطوة الأولى : التحكم في التضخم عن طريق العمل على تخفيض العجز في
الموازنة المالية السنوية وعجز ميزان المدفوعات.
الخطوة الثانية : الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية ابتداءً من الإصلاح
الإداري، والقانوني، والمالي، وانتهاءً بإصلاح نظام البنوك، وسوق
الأسهم، ورؤوس الأموال، وتحرير التجارة الخارجية، وتحرير تدفق رؤوس
الأموال، وصولاً إلى تحرير الأسعار والأجور وأسعار صرف الدينار
العراقي.
الخطوة الثالثة :إعادة تأهيل وإقامة البنى الاقتصادية،
والمالية،والاجتماعية، والبيئية، والمشاريع العائدة للقطاع النفطي من
خلال الاستثمار في تلك المجالات.
الخطوة الرابعة : منح القروض للمشاريع الصغيرة على وفق برنامج تمويلي
ويقترح أن يتولى ذلك مصارف وصناديق الاستثمار العامة منها والخاصة.
الخطوة الخامسة : تنظيم صناديق التقاعد، والضمان الاجتماعي،وتفعيل
صناديق الاستثمار المحلي، ولاسيما بأموال القاصرين.
ويتم ذلك تحت إشراف ورقابة الأجهزة الأمنية وضمن اختصاصات توضع لهذا
الغرض عليه فأن من المهام الأساسية التي تواجه الاقتصاد العراقي في
المستقبل هو البحث عن مصادر جديدة للثروة الوطنية، وموارد إضافية
لميزانية الدولة من مناشئ متعددة. إن تحقيق هذا الهدف من دون شك
الوسيلة الفعالة والأكيدة لتصحيح مسيرة الاقتصاد والمجتمع العراقي.
فالمعروف أن إيرادات النفط تشكل في الوقت الحاضر أكثر من (90 %) من
ميزانية الدولة والنسبة الكبرى من الناتج المحلي الإجمالي حوالي(80 %)
وهي المصدر الأساس لإعالة ما يزيد عن (60%) من أفراد الشعب العراقي
وذلك من خلال تمويل البطاقة التموينية التي تكلف الدولة العراقية حوالي
أربعة مليارات دولار سنوياً. وتقوم الدولة بالإضافة إلى ذلك بتقديم
الدعم من أجل توفير المنتجات النفطية إلى المواطنين والمؤسسات الحكومية
بسعر منخفض ويوازي هذا الدعم مبلغاً خيالياً قيمته حوالي ثمانية
مليارات دولار سنوياً وهو يشكل ما يعادل أكثر من ضعف المبلغ المخصص
لدفع رواتب العاملين في أجهزة الدولة والتحويلات التقاعدية، وتقوم
الدولة في الوقت نفسه بدفع ما يقارب المليار دولار لتغطية الخسائر التي
تتكبدها مؤسسات القطاع العام، كما هو واضح فان الدولة تنفق جُلّ
مواردها المالية لتوفير الدعم ولتغطية الخسائر المترتبة على تشغيل
وصيانة مؤسسات القطاع العام والمحافظة عليه ، وتصرف ما يتبقى من
الموارد لأغراض الاستثمار في المجالات العامة المختلفة وفي جميع
القطاعات الإنتاجية والخدمية من أجل دعم مسيرة التنمية وإعادة الاعمار.
ومما هو جدير بالانتباه أن أهداف هذا الدعم الواسع الذي تقدمه الدولة
ليس واضحاً تماماً؛ كونها لا تتوجه بالتحديد لمعالجة الأزمة المعاشية
للفئات الاجتماعية المعدمة من أفراد الشعب التي لا تملك القدرة على
العيش من دون هذا الدعم، بل أنها معممة على جميع الفئات الاجتماعية من
دون تمييز وبغض النظر عن حالتها الاجتماعية والاقتصادية، حيث يتساوى
الجميع أزاء الدعم الحكومي ، القادر والعاجز بالمقدار نفسه.
ويترتب على هذا الدعم الكثير من المفارقات الاقتصادية الطريفة والمؤلمة
أحياناً، فعلى سبيل مثال يؤدي توسيع طاقات تصفية النفط الخام وزيادة
معدلات ضخ منتجاته في السوق العراقية إلى زيادة في الخسارة المترتبة
على ميزانية الدولة وذلك نتيجة لزيادة الدعم المواكب لكل لتر إضافي يضخ
في السوق المحلية، ويضعنا هذا الوضع الشاذ أمام التناقض الواضح بين
الأهداف الايجابية الناجمة عن التوسع بالإنتاج من جهة والنتائج العكسية
المترتبة عن هذا التوسع في زيادة الخسارة المالية الناجمة عنه من الجهة
الأخرى.
ولا يقتصر هذا الدعم على الإنتاج المحلي، بل يشمل كذلك المنتجات
النفطية المستوردة التي تستخدم لتغطية العجز في الإنتاج المحلي.
وقد يبدو للبعض أن هناك مبالغة شديدة في طرح هذه الحقائق وقد تكون
الحال كذلك ولكن، هذا الواقع المرّ بكل آلامه واحباطاته عن الهدف
الأساس من هذا الطرح المأساوي هو تسليط الضوء على واقع لابد من التصدي
له بشكل عاجل وجديّ ومسؤول؛ لأن بقاءه ينخر في جسد الاقتصاد العراقي
ويستنزف ثرواته الوطنية باستمرار ومن دون أن يحقق أهدافاً اجتماعية
واقتصادية واضحة، والأخطر من كل هذا فأنه يرسخ فكرة إعادة الاتكالية
على الدولة ويقضي على المبادرات الفردية ويكرس دور الدولة الأبوية.
ومما يثير القلق ويعمق محتوى النزعة الاتكالية كون الكثير من العراقيين
يعدون هذا الدعم حالة طبيعية بقولهم : إن العراق غني بثرواته النفطية
ومن حق الشعب العراقي الاستفادة منها والتمتع بثمراتها بشكل مباشر من
خلال الدعم وليس بالضرورة بشكل آجل من خلال الاستثمار في التنمية، ومن
منطلق التبرم واليأس يتمنى نفر آخر أنه لو لم يكن لدينا نفطٌ لكان
حالنا أفضل على شاكلة دول لا تمتلك النفط لكنها تنعم بالأمن والسلام.
ولابد من التأكيد أن الاقتصاد العراقي لا يمكن أن يستعيد سلامته وأن
يرتكز على أسس ثابتة إلا بعد إعادة التوازن إلى تركيبته الداخلية
وإزالة الخلل الهيكلي الذي يعاني منه، وتوسيع قاعدته الإنتاجية وتقليص
اعتماده على قطاع النفط الخام، إذ إن توسيع القاعدة الإنتاجية وتنويع
مصادرها هو الطريق السليم والمضمون لتقويم الاقتصاد الوطني، كما ان
توسيع القاعدة الاجتماعية للإنتاج هي المنطلق الحقيقي والأكيد لبناء
الديموقراطية كوسيلة فعالة للدفاع عن مصالح الجماهير الاقتصادية
والاجتماعية.
ويصبح الكلام العام والمطلق عن ضرورة قيام الدولة بناء المصانع
والمؤسسات، والمرافق والشركات الخدمية، وغيرها ليس مقبولاً ولا مسؤولاً
إذا لم يكن مشفوعاً بمسوغات اقتصادية وفنية، واجتماعية حقيقية تؤكد
نجاحها وكونها مصدراً جديداً للدخل ، لا عبئاً إضافياً على ميزانية
الدولة والموارد الاجتماعية وينسحب هذا الكلام كذلك عند الحديث عن
الدعوة لإعادة تأهيل المصالح والمؤسسات والشركات الحكومية المتوقفة عن
العمل قبل إجراء الفحص الدقيق والتحليل الاقتصادي والعلمي لتقصي
إمكانات نجاحها في المستقبل إن عاودت الإنتاج، أما في حالة فشلها وعدم
جدواها الاقتصادية فيجري العمل حينئذ على تصفيتها على وفق القواعد
العامة التي إتبعت في كثير من البلدان الأخرى وذلك لإزالة الأعباء
المالية المترتبة على ميزانية الدولة من جراء استمرارها وبقائها في
العمل مع الأخذ بنظر الاعتبار خصائص الوضع في العراق. وعليه فأن التزام
الدولة إزاء أي مشروع إنتاجي، أو خدمي يجب أن يعتمد على أساس جدواه
الاقتصادية، والاجتماعية، وفي غالبية الحالات على مبدأ الربحية المالية
. وتعتبر هذه الوسيلة الأكثر نجاحاً وتأثيراً لتقويم الخلل المزمن في
الاقتصاد والمجتمع العراقي ووضعه على طريق السير نحو توسيع القاعدة
الاجتماعية للإنتاج وإعادة التوازن إلى بنيته الداخلية.
وفي الختام نود التأكيد مجدداً بأن المهمة الأساسية والأولى التي تواجه
الاقتصاد العراقي والتي يجب التصدي لمعالجتها هي العمل على توفير مصادر
بديلة للدخل القومي ولميزانية الدولة أولاً،والتخلص من الاتكال على
الموارد الريعية ثانياً، والانتقال من اقتصاد وحيد الجانب إلى اقتصاد
متعدد متنوع المصادر، ومتوازن في هيكله الداخلي أخيراً. ولا مجال
لتحقيق ذلك إلا من خلال زيادة نسبة وحجم موارد الدخل اللاريعي من جانب
الإيرادات، وتقليص حجم ونسبة الدعم الحكومي من جانب المصروفات وهذا من
شأنه أن يكفل مسيرة التنمية المستديمة وتوسيع القاعدة الاجتماعية
للإنتاج على المستوى الاقتصادي العام ضمان نمو وتطور العملية
الديموقراطية والمجتمع المدني. |