|
قراءة
في رحلة 35 عاماً من إعلام وثقافة الاستبداد
- لم ينتج النظام السياسي السابق مدة (35)عاماً
ثقافة حقيقية، كما لم يعرف إعلاماً حقيقياً، ومرد ذلك يعود إلى أن نظام
صدام جعل الثقافة عنصراً من عناصر الإعلام التي تروج لأفكاره ومفاهيمه.
د. مصطفى النعيمي
عمدت دكتاتورية النظام المنهار إلى عملية العسكرة الشاملة في الحياة
الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، كما عملت على إشعار العراقيين بوجود
تهديدات خطيرة تتربص بهم في الخارج والداخل هدفها إلحاق الأذى بالعراق.
وبغض النظر عن طبيعة ادعاءات النظام البعثي الصدامي، فأننا لابد أن
نسلط الضوء على القوة التي تمكن بها ذلك النظام لترويج ادعاءاته
وأكاذيبه وهي الإعلام. ويمكن قراءة هذا المحور على النحو الآتي:
ـ إعلام الثقافة وثقافة الإعلام ـ لم ينتج النظام السياسي السابق مدة
(35)عاماً ثقافة حقيقية، كما لم يعرف إعلاماً حقيقياً، ومرد ذلك يعود
إلى أن نظام صدام جعل الثقافة عنصراً من عناصر الإعلام التي تروج
لأفكاره ومفاهيمه، مثلما جعل الإعلام ثقافة حاول من خلالها التبشير
لفكرهِ وحزبهِ الواحد، وهذا الأمر جعل المواطن العراقي يعيش في عزلة
تامة عن جذوره الثقافية، ومصادره الفكرية.
وفي ضوء هذه النظرة لم تكن ثقافة السواد الأعظم من أبناء العراق ممكنة
التداول، ولم تكن ممكنة الظهور، سواء كان ذلك في الكتاب، أو الصحيفة،
أو التجمعات الجماهيرية، أو المجالس الخاصة،... ولم يشمل منع البعث
ومحاربته لثقافة السواد الأعظم من الشعب، بل شمل قضايا التبشير والدعوة
للقيم والتقاليد الأصيلة الراسخة في صدور أبناء الشعب العراقي، وشمل
أيضاً الشعائر والتقاليد الأصيلة، وكما نوهنا في المقدمة، أنَّ حرب
سلطة البعث الجائرة على العراقيين لم تكن بالسلاح وحده، بل شملت
الإعلام والثقافة، إذ لم يُنشئ النظام الصدامي طيلة مدة حكمه وزارة
للثقافة تُعنى بالتفاعل الثقافي والحضاري بين العراقيين عامة والمثقفين
خاصة والإنسانية في أرجاء المعمورة، بل كانت مهمة وزارة الثقافة التي
انفصلت عن الإعلام لمدة قليلة من الزمن، طبع مؤلفات (القائد الضرورة)،
والكراريس، والكتب التي تحلل أقواله وطروحاته، ونشر الدراسات التي
تسوّق لفكرة. إن العراق لا يمكن أن يكون وطناً لجميع العراقيين ما لم
يكن القائد الضرورة على رأس سلطته، كما اهتمت وزارة الثقافة بفكرة
تسفيه الآخر الذي لايؤمن بهذه الطروحات ووصفه بالخائن والعميل والمتآمر
على العراق ومستقبله.
وهذه الأساليب الفكرية ذات الاتجاه الواحد جعلت المواطن العراقي يعيش
تحت ضغط نفسي مزدوج، الأول منها مقاومة تلك الثقافة ورفضها لكي تكون
جزءاً من قناعاته وميوله، والثاني إظهار قبوله لتلك الثقافة لكي يأمن
جانب السلطة الغاشمة ولايتعرض للمطاردة والمساءلة والاعتقال والتعذيب،
وبين الضغطين عاش العراقيون محنة وجودهم في ظل نظام البعث وعانوا ما
عانوا من مصائب وكوارث.
كانت تلك مهمة الثقافة العراقية في المدد القصيرة التي انفصلت فيها عن
لإعلام، أما السنوات التي كانت فيها وزارة الثقافة مرتبطة بالإعلام(وهي
معظم السنوات التي حكم فيها صدام)، فقد شهدت طغياناً إعلامياً وفكرياً
وثقافياً أشد قسوة على العراقيين.
فالإعلام في العراق لم يكن محايداً، وكان يبشر ويدعو((للقائد الضرورة
فقط))، شأنه في ذلك شأن الإعلام في كل الديكتاتوريات المقيتة التي حكمت
بعض دول العالم في عصرنا الراهن والعصر القديم.
وكانت مهمته إلغاء الأمر ليس فكراً أو ثقافة فحسب، بل وجوداً إنسانياً
متفاعلاً أيضاً، إذ لم يكن إعلام البعث يسمح على الإطلاق بتناول أي خبر
يخص إنجازات العراقيين من غير البعثيين، ولم يسمح بالضرورة عن تناول
أية مشكلة أو أزمة يعيشها العراقيون في الداخل والخارج، فلم يسمح مثلاً
بتناول مشكلة انقطاع التيار الكهربائي عن معظم أرجاء البلاد، ولم يسمح
بتناول الجوع الذي ضرب العراقيين لعقود طويلة، ولم يسمح بتناول مشكلة
البطالة التي عانى منها الشباب العراقي بعد إخراجهم من الجيش في عقد
التسعينات، ولم يكن يسمح بتناول موضوع تدمير الجيش العراقي في حرب
الخليج الثانية، بل على العكس من ذلك كان الإعلام يؤكد انتصار العراق
في حربه ضد الحلفاء في عاصفة الصحراء مصوراً الأمر وكأن العراق هو الذي
أخرج قوات التحالف من الكويت وليس العكس، بهذه العقلية تعامل إعلام
النظام الصدامي مع الذاكرة والثقافة والإنسان العراقي ، وبهذه العقلية
أيضاً صدّق النظام انتصاراته الكاذبة وتوهم القدرة على مقارعة
خصومه،أما القضايا المسكوت عنها، فهي قضايا في غاية الخطورة، ومنها
الفساد الذي ضرب المؤسسة العراقية من أعلى سلم السلطة إلى أسفلها، إذ
لم يسلم أي مفصل من مفاصل النظام آنذاك من آفة الرشوة والسرقة وابتزاز
أبناء الشعب.
وقائمة المسكوت عنه في الإعلام العراقي تطول وخاصة في تلك القضايا التي
تهم مستقبل العراق، إذ لم يكن يسمح بنشر أو تداول أي رقم يشير إلى ما
صدرَ من النفط، لم يكن يسمح حتى بمعرفة الأرقام الحقيقية لميزانية
العراق والعائدات النفطية التي دخلت إليها، وكانت كل الأرقام مبهمة
وتصرف بالطريقة التي يرى فيها صدام حاجة ملحة للأنفاق، وبالطبع لم يكن
غيرالسلاح حاجة ملحة للعراق والعراقيين.
وأزاء هذه الحقائق لابد من طرح السؤال الآتي، كيف تمكن نظام صدام من
تحقيق هذه الأهداف ؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من قراءة طبيعة تشكّل المؤسسة الإعلامية
في العراق، وهذا موضوع محورنا الثاني.
ـ مؤسسة الكذب ـ
بعد أقل من سنتين من انقلاب (17 تموز 1968)، قامت سلطة البعث بإتباع ما
سمي حينذاك بإسلوب (الغلق)، وهو إسلوب يُمنع بموجبه كل من لاينتمي إلى
حزب البعث بالدخول إلى المؤسسات المهمة في الدولة، ومنها التربية،
والتعليم، والثقافة، والإعلام.
وفي ضوء هذا الإسلوب أو السياسة لم يسمح لغير البعثيين بدخول كليات
التربية، أكاديمية الفنون الجميلة ، معهد الفنون الجميلة، كلية الإعلام
(قسم الإعلام آنذاك)، وكان هدف قسم الإعلام تخريج كوادر إعلامية مثقفة
تدير جهاز الإعلام وتوجهه بالاتجاه الذي يخدم المصلحة الوطنية، لكن
سلطة البعث حولته إلى جهاز يخدم سلطتها وايديولوجيتها، وكانت
سياسة(الغلق) التي إعتمدها البعثيون بعد انقلاب تموز أسهمت ببداية
مريعة لتراجع الثقافة والإعلام، إذ قبلت هذه الكلية طلبتها على أساس
الولاء الحزبي (الدرجة الحزبية)، فدخل إليها من دخل من ضعيفي المواهب
وفاقدي الإبداع، وفي السنة الرابعة من الدراسة في هذا القسم الأكاديمي
كانت دائرة المخابرات الصدامية تستدعي الطلبة وتجند من تراه مناسباً في
جهازها وتُعدّ المجندين بمناصب مهمة في الصحف العراقية ودائرة الإذاعة
والتلفزيون, كما تَعِدهُ ببعثات دراسية إلى دول أوربا والغربية منها
خاصة، وبالفعل أرسلت هذه الدائرة عدداً من منتسيبها الإعلاميين من
خريجي قسم الإعلام إلى لندن، وباريس، وموسكو ومدريد؛ لنيل شهادات
الماجستير والدكتوراه في الإعلام، وبعد هذه المدّة من الإعداد والدراسة
يدخل الإعلاميون المخابراتيون المؤسسات الإعلامية ويقومون بإدارتها،
فكان منصب مدير التحرير محصوراً بما يقترحه جهازا الأمن والمخابرات،
وعادة ما يكون لعملاء هذين الجهازين، وكذلك المفاصل الأخرى ولكن من دون
تحديد، إذ جندت دائرة الأمن العامة حتى العاملين في بدالات الهاتف
للتنصت والإخبار عما يدور بين المحررين من ذوي الميول السياسية غير
البعثية، إذ اضطرت المؤسسة لاستخدام بعض المعارضين للنظام الصدامي
السابق في الإعلام بالترهيب بعد ثبوت فشل البعثيين في العمل الإعلامي،
ولتحقيق مآرب أخرى لايسع المجال لذكرها.
أما وزارة الإعلام فقد شهدت بعد انقلاب 17تموز الأسود تدفق مجموعة من
البعثيين القتلة والمجرمين على أجهزتها، وقاموا بطرد الإعلاميين
الشرفاءوالمهنيين من الدوائر الإعلامية ومنهم الصحفي المتميز
المرحوم(شمران الياسري) الملقب بـ(أبوكاطع)وغيره، الذي طرده المجرم
محمد سعيد الصحاف من دائرة الإذاعة والتلفزيون؛ لأنه غير بعثي، أما
المفاصل الأخرى من درجة مدير إذاعة فما دون فقد تسلمها من لاخبرة له
ولاعلم غير ما يسمعه من (القائد الضرورة).
وتدل الوقائع الآتية على المستوى المتدني الخطير الذي بلغه الإعلام في
رسالته.
ـ تضليل مبرمج ـ ازداد التضليل المبرمج الذي مارسه الإعلام المؤدلج
حدّة بعد أن استولى صدام حسين على السلطة وإنفرد بها من رفيقه البكر
عام 1979، إذ دشّن عهده بالانقلاب على أبرز رفاق الأمس من القياديين
البعثيين وإعدامهم بحجة الاتصال مع القيادة السورية والتآمر على الحزب
والدولة.
وكان الإعلام العراقي قد لعب دوراً مهماً في تسويق ما أراده صدام حسين
للعراقيين، إذ ثبت الإعلام العراقي قضية اتصال أولئك القياديين بسوريا
وعرض أفلاماً مزورة تؤكد تآمرهم بعد تعذيب وسجن رهينين، وكانت تلك التي
أطلق عليها الاعترافات عاملاً مهماً جعل قرار صدام حسين بإعدامهم
مقبولاً عند الذين لايعلمون الحقيقة وعند بعض البسطاء من الذين انطلت
عليهم لعبة الإعلام آنذاك وخاصة البعثيين منهم.
إن هذا التضليل الذي بدأ به صدام حسين عهده أخذ بالاتساع خاصة عندما
تمادى النظام العراقي السابق في تهديد الجيران ومحاولة إجهاض التطورات
الديموقراطية التي حازها أبناء المنطقة ضد الديكتاتوريات المستبدة, إذ
شن حرباً طويلة ضد الجارة المسلمة إيران نتج عنها سقوط مئات الآلاف من
القتلى, وهدر لثروات المنطقة وخاصة ثروات الشعب العراقي؛ لأن العراق
خرج من هذهِ الحرب وهو يرزح تحت دين ثقيل قدّرته المصادر الاقتصادية
بأكثر من (300)مليار دولار.
وطوال مدّة الحرب مع إيران كانت الماكنة الإعلامية الصدامية تسوّغ
استمرارها بما سمي آنذاك بالتصدي للعدوان ، والحقيقة أن حرب صدام على
إيران جلبت الدمار والويلات للشعبين الجارين المسلمين.
وفي تلك الحرب سخّر صدام وإستأجر كثيراً من الأقلام الرخيصة التي أنتجت
أدباً عُرف بـ(بأدب الحرب)؛ لكي يرّوج إعلامياً لحربه الظالمة على شعب
إيران المسلم.
وبعد هذه الجريمة إرتكب صدام جريمة أخرى بغزوه دولة الكويت بحجة أنها
(المحافظة التاسعة عشر)، وعلى هذا الأساس قام بضم دولة مستقلة مسلمة
جارة بالقوة، وقد عزف الإعلام العراقي على النغمة ذاتها التي عزف عليها
صدام وروّج (للوحدة مع الكويت)، وحاول إقناع الناس بأن هذه الخطوة تخدم
مستقبل العرب، وأثبتت الوقائع أنَّ أفضع الجرائم التي ارتكبت بحق وحدة
العرب ومستقبلهم كانت احتلال الكويت.
وبعد تحريرها أي:(الكويت)، صوّر الإعلام الصدامي للعراقيين أن العراق
هو الذي انتصر على أمريكا معللاً ذلك ببقاء صدام في السلطة متناسياً
عشرات الآلاف من القتلى والدمار الذي أصاب الجيش العراقي، والطاقات
الاقتصادية الرهيبة التي بُدّدت.
وفي الحرب الأخيرة عام(2003)، كان الإعلام العراقي يكذّب ويزوّر
الحقائق على الأرض، ويصوّر العراق على أنه منتصر في الحرب، حتى أن وزير
الإعلام الأخير لنظام صدام كان يقول: إن العراق دحر القوات الأمريكية
في مؤتمر صحفي في وقت كانت فيه القوات الأمريكية على بعد(600م) عن مكان
المؤتمر الصحفي، وكانت الصدمة الكبرى للإعلام العراقي وللشعب العراقي
عندما دخلت القوات الأمريكية إلى المكان الذي عقد فيه المؤتمر الصحفي
بعد سويعات من هذا التصريح.
ولذلك أصبح وزير الإعلام العراقي موضع تندر وضحك العالم أجمع لما روّج
لأكاذيبٍ مفضوحة.
إن هذه النماذج وغيرها أسهمت إلى حد كبير بتخلف الإعلام العراقي وأدلجة
خطابه بشكل مقيت وبليد وبشرت لجرائم النظام الصدامي من خلال حشو أذهان
الناس بمعلومات مكررة سمجة مضللة وكاذبة.
ولكن على الرغم من ذلك التدفق الأيديولوجي المقيت إلاّ أن أبناء الشعب
العراقي لم يقتنعوا بمعظم ما روّجته تلك الآلة الإعلامية الرهيبة,
وكانوا يتحدثون بالنوادر في مجالسهم الخاصة للاستهزاء بالإعلام
والإعلاميين و(القائد الضرورة)الذي بشّر له ذلك الإعلام.
واليوم وبعد سقوط الصنم وبدء مرحلة التحول الديموقراطي لابد للسياسيين
المسيطرين على زمام السلطة في العراق من قراءة درس الإعلام الموجه
المؤدلج المقبور وإدراك أن حرية الإعلامي تعادل حرية المواطن في
التعبير عن مواقفه وآرائه؛ لأن الإعلام هو المرآة العاكسة لحياة شعبنا
وتطلعاته وتوجهاته، وهذا الأمر يفرض احتضان الإعلاميين وتوفير الحياة
الحرة الكريمة لهم، لكي لايضطروا للعودة أبواقاً تمجد هذا الحاكم أو
ذاك، ولكي يشعروا أن السياسيين في العراق كانوا جادين في نضالهم من أجل
الديموقراطية وحرية الإنسان.
|