|
ثقافة
التسامح وعملية التحول الديموقراطي
- إن عملية التحول
الديموقراطي في العراق ، تستدعي رفض الثقافة ذات البعد الواحد ، وشيوع
ثقافة المسامحة
د. صالح عباس الطائي
تشير الثقافة بشكل عام إلى حقيقة من طراز مُعقد ذات مكونات وعناصر
متعددة ومداليل وأتجاهات متنوعة ،لذلك يصعب وضعها ضمن إطار تعريف مُبسط
ونهائي ، وهي عند العرب كانت تعني : الظفر بالشيء بعد البحث والتفتيش
عنهُ ، إتساقاً مع ما ورد في الآية الكريمة {{ وإقتلوهم حيث ثقفتموهم
}}.، كما تعني سرعة الفهم ، المهارة ، تهذيب الفكر وصقله وتقويم
الأعوجاج ،وأعطاها(أبن خلدون) معاني عمرانية (إجتماعية) أي معنى
مرتبطاً بالعوامل المكونة للحياة الإجتماعية ،فتقدم العلوم والصنائع
محصلة وجزء من كل ، ثم يعرفها ( اين تايلور) :فيما بعد : ( الكل
المرّكب من التقاليد والقيم والفن والأدب والقانون) ،أما الثقافة
السياسية : فقد عرفها (جابريل ألموند) : (( بأنها مجموعة من المواقف
والمعتقدات والمشاعر تدور حول السياسة والجارية في دولة ما في مدة
زمنية معينة)).
وللثقافة السياسية ثلاثة عناصر :( إدراكية ): تعني كل ما يعرفهُ الفرد
من معلومات عن النظام السياسي ومؤسساته ،وأخرى :( عاطفية ): تتكون من
مشاعر الأفراد أزاء النظام السياسي وتتراوح تلك المشاعر بين التعاطف
وبين الرفض لمطالب النظام السياسي. وعناصر( قيمية ) :تتألف من القيم
والمعتقدات والمبادئ التي يحدد الأفراد في ضوءها مواقفهم من النظام
السياسي ، ومدى إلتزامه أو إبتعاده عن هذه القيم ، وهذه العناصر
الثلاثة تُؤلف معاييراً لقياس التوجهات الفردية إزاء أي موضوع سياسي.
وإذا كانت الثقافة هي بنت واقع إجتماعي وسياسي مُعين يحد عناصرها
الأدراكية والعاطفية والقيمية ،فأن الموروث والوضع السياسي يحددان
أُطرها وتوجهاتها ويضيفان عليها السمات التي تميزها عن الثقافات الأخرى
. ولعل أبرز تلك التوجهات والسمات ( الأنفتاح والأنغلاق، الموقف من
الاخر ، اسلوب الحوار ،والإغناء والأغتناء )، وتبعا ً لذلك نشأت حالات
متعددة من الثقافات في المحيط الدولي على مرّ العصور ،إلا أن الغالبية
العظمى من بلدان العالم الثالث ( دول عالم الجنوب ) خصوصا ً في مرحلة
الأستقلال الوطني ، نشأت فيها ثقافات (البعد الواحد ) ، فالجماعات التي
سيطرت على السلطة في تلك البلدان أتجهت إلى تهميش الآخر ،والأنغلاق
،وفي بعض الأحيان الأحتراب مع ثقافة الآخر وتسفيهها ، ثم رفض الآخر
وإعتماد العنف لا الحوار ، ومن ثم غرقت تلك البلدان في الفرقة والتشرذم
و وأد عمليات التنمية والتقدم ، ولم ترقَ أي منها إلى مصاف الدول
المتقدمة.
إن عملية التحول الديموقراطي في العراق ، تستدعي رفض الثقافة ذات البعد
الواحد ، وشيوع ثقافة المسامحة ،إذ تجتمع الثقافة الآنف ذكرها ،
(الأدراكية ، العاطفية ،القيمية) في شعبنا الذي عانى ويعاني كثيراً ،
فتدرك كل أطياف المجتمع المهام الجسام التي تنتظرها من الأمن والأمان
إلى توفير كل مفردات الحياة الهانئة وتحقيق التنمية والتقدم ، كما أن
شد الأزر من سمات المجتمع العراقي الذي كان مثالاً للتضحية على مرّ
العصور، فضلاً عن الأيمان بالمبادئ والقيم السامية التي جُبِلُوا عليها
في الإيثار والتسامح من أجل مستقبلهم . كما أن الإيمان بالمبادئ
الديموقراطية يتطلب أن تستنفر كل أطياف الشعب أفضل ما بوسعها من أجل
بناء عراق مُوحد ، وأن يكون الحوار سبيلها الوحيد في ذلك ، وتستدعي
الأنفتاح على الآخر وتعزيز نقاط الألتقاء معهُ وإحترامهُ ، وأن تَعمد
إلى نبذ الخلاف والتقاطع ومن ثم العنف ؛ لأن عملية التحول الديموقراطي
ترتكز على إحترام الآخر وتقديس الحوار، {{ وجادلهم بالتي هي أحسن }}
،كونه البوتقة التي تمتزج بها آمال الجميع ، والخيمة التي تستظلّ بها
كل أطياف شعبنا للخروج من المحنة من أجل لم الشَعث ، وأن يكون (( حُب
العراق )) مُناط الأمل وديدن الجميع .... إنَّ ثقافة التسامح لا تعني
الأستسلام ، وقبول الثقافة ( السلبية )، كلا ،!! فقد يتبادر إلى الذهن
بأن التسامح وثقافة التسامح تعني إستيعاب وقبول السلبي والمنحرف من
الثقافة وإقامة علاقة تضايف معها ، بل أن التسامح وثقافة التسامح تعني
القبول بالآخر مهما كانت توجهاته الفكرية والسياسية والدينية،
والإعتراف بالآخر، أي الآخر المختلف أيضاً ؛ لذلك يقف الإعتراض والقبول
مقابل التسامح وثقافة التسامح ، كونها تجسيداً لقيم الإنسانية الحقّة ،
ورائدها في ذلك أنه ليس هناك أجماع ٌبين البشر حول قضية ما دائماً ، بل
ثمة إختلاف ، والإختلاف وارد بين البشر؛ لأختلاف الطبيعة الأنسانية
وظروفها في الزمان والمكان ، وعليه فالتسامح الفكري والسياسي والثقافي
مطلوب لضرورة الإعتراف بالآخر والقبول به.
ان الشعب العراقي ينطوي على تعددية وتنوع قومي وديني ومذهبي . ومن
الطبيعي أن هذا التنوع والتعدد يشتمل على ثقافات ، تسمى في علم
الأجتماع السياسي (( ثقافات فرعية )) ، ومن حق كل قومية ودين ومذهب أن
تتبنى الثقافة الخاصة التي تعتقدها ، من دون إكراه وقسر ، من أن تعمل
السلطة السياسية (( أي سلطة )) على أقصائها ، أو إلغائها ، أو إهمالها
، أو إستخدام أساليب العنف في سبيل تذويبها ، أو إندماجها في ثقافة
الدولة ،أو الحزب الحاكم ، كما حصل في عهد النظام السياسي الدكتاتوري
الشمولي السابق (1968-2003) ،إذ عمل النظام السياسي السابق على تذويب
وإلغاء وإقصاء الثقافات الفرعية بحجة تأسيس وتشكيل الوطن العراقي تحت
خيمة (( الحاكم والحزب القائد )) ، وكانت هذهِ المأساة في إلغاء
الحريات والحقوق ومن ثمّ صناعة الدكتاتورية في العراق...وكانت نتيجة
ذلك قيام الدكتاتورية البعثية بجر العراق إلى الحروب من دون أن يسأله
ويناقشه أحد ، وهنا تكمن أهمية الإعتراف بالثقافات والخصوصيات المحلية
الوطنية ، فالمناخ الديموقراطي هو الذي يعمل على نبذ أو تقييد المجال
الدكتاتوري ومن ثم عدم جرالبلد إلى الانتكاسات والأخطاء الإستراتيجية ،
ورائدها في ذلك هو ثقافة التسامح ، أي منح الثقافات الفرعية خصوصية في
تبنيها والأعتقاد بها من دون الوقوف أمام الثقافات الآخرى بالضد ، غير
أن هذا الإعتراف يفترض أن لا يكون على حساب الثقافة الوطنية الكبرى ،
أي ثقافة الوطن الكبير ، وهو العراق أي الخيمة الوطنية العراقية ،
بمعنى أن الثقافات الفرعية لا تتعارض مع الثقافة الوطنية الكبرى ، التي
تنشد الوحدة الوطنية،والإندماج الاجتماعي أو التجانس الأجتماعي. |