|
قراءة في كتاب
الصدر في ذاكرة
الحكيم
مع شذرات من حياة الشهيد الحكيم
- شهيد المحراب هو نجل الإمام
السيد محسن الحكيم(رض) الذي أصبح من أكبر مراجع الشيعة في العالم،
والذي أعطى بُعداً جديداً للمرجعية في حركتها وتصديها بعد الانتكاسة
التي حصلت في الثلاثينات والأربعينات.
- قال شهيد المحراب (قده): ((إن العلاقة الاجتماعية في حياة الشهيد
الصدر كانت متطورة باستمرار في مضمونها وسعة دائرتها وتنوعها، وكانت
ذات مضمون أخلاقي وعملي وعاطفي)).
- السيدان الشهيدان قاما بدور تكاملي في نصف القرن الأخير من تأريخ
العراق المعاصر ، والذي نعيش أحداثه وتفاعلاته، وتطوراته ، على الأصعدة
كافة، السياسية، والاقتصادية، والعقائدية.

ظاهر الموسوي/ باحث واعلامي
حينما يكتب الشهيد عن الشهيد ، وحينما يكتب القائد عن القائد ، وحينما
يكتب المرجع الديني عن المرجع الديني ، وحينما يكتب شهيد المحراب أية
الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم(قده) عن آية الله العظمى الشهيد
السيد محمد باقر الصدر ، تكون للكتابة معنى وطعمٌ ومسارٌ آخر، فالشهيد
صاحب درب الشهيد، والقائد العضد المفدى للقائد،.. نحن في رحلة فكرية ،
سياسية، عقائدية، إنسانية مع قلم شهيد المحراب وهو يتحدث عن مفجر
الثورة الإسلامية في العراق. في الكتاب ـ الوثيقة, ((الصدر في ذاكرة
الحكيم)) وجد السيد محمد محمد الحيدري وفاءً لأستاذيه الشهيدين السيد
محمد باقر الصدر والسيد محمد باقر الحكيم رضوان الله تعالى عليهما أن
يجمع ما صدر عن الشهيد الحكيم بحق أستاذه الشهيد الصدر، في كتابه
المكون من سبعة فصول، كتبها الشهيد الحكيم عن الشهيد الصدر.
وقد دون السيد الحيدري في بداية الكتاب شذرات من حياة شهيد المحراب
(قده) معتمداً على علاقته الوثيقة التي استمرت 31 عاماً حتى شهادته في
الأول من رجب 1424هـ .
شذرات من حياة شهيد المحراب (قده)
ولد شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم(قده) في الخامس والعشرين من
جمادي الأولى عام 1358 هـ 1939م في النجف الأشرف.
شهيد المحراب هو نجل الإمام السيد محسن الحكيم(رض) الذي أصبح من أكبر
مراجع الشيعة في العالم، والذي أعطى بُعداً جديداً للمرجعية في حركتها
وتصديها بعد الانتكاسة التي حصلت في الثلاثينات والأربعينات.
وقد نشأ شهيد المحراب (قده)، والمرحوم والده من كبار المجتهدين وله
طلابه وأتباعه الخاصين به بالإضافة إلى أسرة الحكيم العلمية، لهذا فتح
الشهيد عينيه وأدرك الحياة في جو يسوده العلم والدراسة والمطالعة
والتدريس والعمل، كما نشأ في بيت والده الذي وجد فيه التقوى، والورع،
والزهد، وحب الخير، وقضاء حوائج الناس، وحل مشاكلهم. كذلك نشأ وزعامة
والده الإمام الحكيم(رض) تتبلور وتأخذ بُعداً جديداً في الجوانب
الاجتماعية.
ونشأ في أجواء البيوت النجفية محافل الأدب والثقافة.
وقد تعرف على السيد الشهيد الصدر عام 1956 وبه وجد ضالته وطموحه، وقد
تلقفه السيد الشهيد الصدر بالرعاية العلمية والفكرية، وأصبح شهيد
المحراب من أقرب تلاميذ السيد الشهيد الصدر وأكثرهم تعلقاً به على
الرغم من انشغاله بمرجعية الإمام الحكيم(رض) ففتحت لشهيد المحراب أبواب
جديدة، لهذا إلتصق به وأصبح له تلميذاً لامعاً وصديقاً حميماًً. وأصبح
يشارك أستاذه في مشاريع مهمة وحساسة، فشاركه في تأسيس حزب الدعوة
الإسلامية وتنظيمه وتطويره حيث كان الشهيد الصدر بجانب البحوث
والأفكار.
وشاركه في الاهتمام بجماعة العلماء حيث أصبح عضواً اللجنة المشرفة على
مجلة الأضواء التابعة لها.
وآخر الأعمال أو التكاليف التي كلف الشهيد الصدر شهيد المحراب(قده)
عندما كان محتجزاً عام 1979، حيث طلب منه الخروج والتصدي للعمل السياسي
من خارج العراق.
تمتع شهيد المحراب بكفاءة واضحة وذهنية متفتحة وذكاء متميز، لهذا عندما
تعرّف الشهيد الصدر عليه أهتم به وجعله عضداً مفدى له كما ذكر في مقدمة
كتابه ((اقتصادنا)).
تميز شهيد المحراب باهتماماته الفكرية والثقافية بشكل واسع فمنذ شبابه
قرأ معظم كتب التأريخ بالإضافة إلى الكتب الأدبية والقصص، واهتم بالكتب
الفكرية، والثقافية الحديثة، وكان يتابعها ويقتنيها بالإضافة إلى
اهتماماته بالعلوم العامة وتخصصه بالعلوم الإسلامية.
وقد صدر عنه عدد كبير من المؤلفات بعضها نتيجة لمحاضرات جمعت وطبعت.
وقام بتدريس بحث الخارج لمجموعة من الطلاب في طهران باب القضاء
والقيادة في الفقه الإسلامي.وتمتع شهيد المحراب(قده) بذاكرة عالية مع
دقة متناهية تميز بها وأعترف الجميع بها حتى مناوؤه ، فكان يتذكر
الأحداث التي مرت بحياته أو قرأ عنها بكل دقة وتفاصيل وبتواريخها
التفصيلية.
وتميز السيد شهيد المحراب بكفاءة سياسية عالية، ورؤيا جعلته يشخص
الموقف السياسي مبكراً ، والدقة العقلية التي امتلكها جعلته قادراً على
التحليل الدقيق للأحداث السياسية والسعة الشمولية التي اكتسبها في
دروسه وتدريسه في الجانب الفكري أعطته بُعداً آخراً في رؤاه السياسية.
ومرّ شهيد المحراب (قده) بظروف في غاية الصعوبة والحرج كان يواجهها بكل
صلابة وصبر وتحمل، فما واجهه من اعتقالات والسجن المؤبد كان صابراً
محتسباً، وكان يخفف عمنّ كان معه في السجن يصبرهم ويواسيهم ويهونّ
عليهم، وكان معروفاً بعبادته وخاصة في الليل، فلم يترك صلاة الليل وكان
ملتزماً بها وكان يقرأ القرآن باستمرار وحفظ قسماً منه. وجاءت شهادته
خسارة كبيرة للعراقيين وخاصة الإسلاميين ، وهي تمثل عزاً وكرامة وشرفاً
له.
الصدر في ذاكرة الحكيم
يقول شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم(قده) : ((لقد كرس شهيدنا
الصدر حياته كلها في خدمة الإسلام والمسلمين ونال عالي الدرجات في
العلم والعمل ، وضرب مثالاً رائعاً للإنسان المؤمن، سواءً في عواطفه،
أم علاقاته الاجتماعية ، أم في تحمله للمسؤولية تجاه شعبه، ورفض الظلم
والعدوان، حتى وصل إلى قمة عطائه في مواجهة العفالقة المجرمين، حتى
تضرج بدمائه ووقع شهيداً وذلك في اليوم الثالث من جمادى الأولى
عام1400هـ الموافق الثامن من نيسان عام1980م على يد هؤلاء المجرمين،
وفي أيام تأسيس حزبهم المشؤوم)).
في سبعة فصول تحدث شهيد المحراب(قده) عن استاذه الشهيد الصدر،في الفصل
الأول (الولادة والنشأة) قال شهيد المحراب(قده): ((لقد كانت علاقتي
بالشهيد الصدر التي استمرت حوالي ربع قرن من الزمان منذ 1376هـ / 1956م
وحتى استشهاده، قد اتسمت بالتلمذة الخصوصية، والصداقة الأخوية،والعواطف
الجياشة والارتباط المصيري، والتقارن في الأحداث، والاشتراك في الهموم
والآمال والطموحات، وقضاء الساعات الطويلة معاً في كل يوم ولعدة سنوات،
ولاسيما في مرحلة ما قبل تصديه للمرجعية الدينية)).
وتحدث شهيد المحراب(قده) عن الظروف الصعبة في بداية حياة الشهيد الصدر
وكيفية اختياره الصعب للدراسة الحوزوية على الدراسة الرسمية والمعاناة
والابتلاء في إدارة معيشته وطلب العلم، ثم المعاناة في التصدي
الاجتماعي.
وفي الفصل الثاني ((الصفات الحميدة)) تحدث شهيد المحراب(قده) عن النبوغ
المبكر للشهيد الصدر، والعاطفة النبيلة ذات المضمون القيمي، والأخلاقي
في العلاقات العامة والخاصة، والمثابرة والجدية، والشجاعة، العالية
التي أتصف بها الشهيد الصدر وحبه للأدب ((كان يستذوق الأدب سواء منه
الشعر المنظوم الذي كان يتفاعل معه أو النص المنثور، وحبه للعلم
والعلماء ومن حبه وتقديره للعلم والعلماء موقفه المتميز تجاه مراجع
الدين العاملين الذين عاصرهم.
وفي الفصل الثالث (الأخلاق الحميدة) تحدث شهيد المحراب(قده) عن الإخلاص
والشعور بالمسؤولية ((كان يسعى إلى أن يربي طلابه ومريديه المحيطين به
على هذا الإخلاص )) ثم التضحية والإخلاص (( من أجل الإسلام والمصالح
العليا وقد توج ذلك بوضوح من خلال شهادته التي كانت تعبر عن أرقى درجات
الشهادة وهي تلك التي تكون عن إرادة وتصميم مقرونة برؤيا للواقع)) ثم
الصبر والتسليم ((وهو خُلُق أساسي في القائد المتصدي))والوفاء((من
الأخلاق المتميزة لدى الشهيد الصدر)) والتواضع ((من معالم أخلاقه
الخاصة في العلاقات الاجتماعية، وفي مقامه العلمي، وفي القضايا
العلمية)) والعزة والإباء((دون غرور أو تعال أو تكبرّ)) ومن صفاته
الحياء وهي من صفات المؤمنين كاملي الإيمان)).
وفي الفصل الرابع (العلاقات الاجتماعية)تحدث شهيد المحراب(قده) في هذا
الفصل عن العلاقة مع الأسرة إلى جانب العلاقة مع الأصدقاء والعلاقة
الاجتماعية الواسعة الهادفة. ، قال شهيد المحراب (قده): ((إن العلاقة
الاجتماعية في حياة الشهيد الصدر كانت متطورة باستمرار في مضمونها وسعة
دائرتها وتنوعها، وكانت ذات مضمون أخلاقي وعملي وعاطفي)).
وفي الفصل الخامس (الأبعاد العلمية) وهو بحث ألقي في الندوة التي عقدها
المجمع العلمي للشهيد الصدر حول حياته وجهاده واستشهاده سنة 1408هـ.
وهذا الفصل في بابين الأول يتحدث عن الأبعاد العلمية في شخصية الشهيد
الصدر، حيث تحدث فيه شهيد المحراب(قده) عن بعض هذه الأبعاد ، منها
((السعة والشمول) في فعاليات الشهيد الصدر العلمية ((والتحقيق والتجديد
والحاجة، واستكشاف النظرية إلى جانب التفصيل والتحليل في البحث العلمي،
والواقعية والتجربة، والاهتمام بالشكل والمخاطب إلى جانب المضمون ،
والممارسة الميدانية و الاجتماعية ، كان يعايش الواقع في كثير من
الأحيان بعقله وروحه من خلال الممارسة والمشاهدة الحسية)) ثم السرعة
بالانجاز، بحيث تبلغ أحيانا وقتاً قياسياً والوفرة في الإنتاج.
وتحدث شهيد المحراب(قده) في الباب الثاني عن التفسير عند الشهيد الصدر،
ضمن ثلاثة محاور، المحور الأول : الأعمال والممارسات التفسيرية أو
القرآنية:
1- محاضرات علوم القرآن.
2- محاضرات التفسير الموضوعي.
3- (الإسلام يقود الحياة) و(خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء).
4- الأبحاث المتعلقة بالقرآن في علم الفقه وأصول الفقه.
5- الموارد المتفرقة في كتبه ودراساته ومقالاته.
والمحور الثاني : ملامح التجديد في البحث التفسيري.
والمحور الثالث : نهج التفسير عند الشهيد الصدر.
وفي الفصل السادس: ((نظرية العمل السياسي)) كتب شهيد المحراب(قده) هذا
البحث عام 1408هـ بهدف التوثيق والأمانة التأريخية وتدوين أفكار الشهيد
الصدر ونظرياته ومواقفه كما فهمها ورآها شهيد المحراب(قده) عن كثب.
تحدث شهيد المحراب(قده) في بابين الأول: المسار النظري، والثاني:
المسار العملي للنظرية السياسية بعد التمهيد تحدث (قده) عن (نظرية
الشورى والحزب) والقيادة الواقعية والقيادة الواجهية ، ورؤيا الإمام
الحكيم للعمل السياسي، ثم الشك في الشورى والحزب، ونظرية ولاية الفقيه
والمرجعية، وفي الباب الثاني ، تحدث شهيد المحراب(قده) ضمن ثلاث مراحل،
الأولى: الحزب وجماعة العلماء والمرجعية الرشيدة والشهيد الصدر ومرجعية
الإمام الحكيم (قده)
المرحلة الثانية: المرجعية الرشيدة واقع يتقدم ويتطور.
المرحلة الثالثة: المرجعية وولاية الفقيه، تحدث شهيد المحراب(قده) عن
مرجعية الإمام الحكيم (رض) ومرجعية الإمام الخوئي، والشهيد الصدر في
واجهة التصدي، ثم الحوزة العلمية وموقفها من مرجعية الشهيد الصدر، ثم
قرار الشهيد الصدر فك الارتباط بين المرجعية والتنظيم الخاص للحزب،
والمرحلة الجهادية ، وخطة العمل في هذه المرحلة ، وردّ فعل النظام تجاه
خطة الشهيد الصدر، وأخيراً ، التخطيط لما بعد الشهادة.
وفي الفصل الأخير السابع((نظرية الخطاب السياسي)) وهو بحث عن (نداءات)
الشهيد الصدر الثلاثة، ((وكان الشهيد الصدر عندما أعدّ هذه(النداءات)
توقع أن يستشهد، وأراد لها أن تكون بيانات موجهة للشعب العراقي في
الخطاب السياسي له؛ لأن طريقة إعدادها في الواقع تؤكد هذا الأمر،
وهو(قده) لم يعلنها في حياته وإنما أعدها لما بعد استشهاده ، وطلب
الاحتفاظ بها حتى يستشهد وعند ذاك تذاع وتعلن.
وكانت هذه البيانات أمانة ووديعة عندي شخصياً حتى استشهد ، وقد بادرت
بتحمل مسؤولية إيصال هذه الأشرطة إلى خارج العراق بعد شهادته بفترة
قصيرة نسبياً)).
تحدث شهيد المحراب(قده) عن أهمية البيانات الثلاثة، مفهوم الخطاب
السياسي، و الثقافي والعقائدي، وبعد تحليل ممتع لأركان الخطاب، والخطوط
العامة للمنهج الذي اعتمده الشهيد الصدر في خطاباته ، ينتهي الكتاب
بالملاحق وتحتوي على النداءات الثلاثة للشهيد الصدر.
وفي ختام هذه السياحة الخاطفة في هذا الكتاب الممتع، نلاحظ أهمية هذا
الكتاب من خلال كاتبه والمكتوب عنه ، فالسيدان الشهيدان قاما بدور
تكاملي في نصف القرن الأخير من تأريخ العراق المعاصر ، والذي نعيش
أحداثه وتفاعلاته، وتطوراته ، على الأصعدة كافة ، السياسية،
والاقتصادية، والعقائدية، ونحن بحاجة مستمرة وأكيدة للكتابة عن
الشخصيات التي غيرت مجرى الكثير من الأحداث، ونتأمل من طلبة ومريدي
الشهيدين الصدر والحكيم أن يُتحفا المكتبة بالمزيد والكشف عن خصائص هذه
الشخصيات الكبيرة، فقد قالوا إنه خلال مائة عام كُتب عن نابليون مائة
ألف مجلد، فما أحرانا أن نكتب ونستكشف هذه الشخصيات العملاقة التي عاشت
على خط الأنبياء والأئمة العظماء..
الكتاب : الصدر في ذاكرة الحكيم
مع شذرات من حياة الشهيد الحكيم
جمع وتحقيق/ محمد محمد الحيدري
دار نور الشروق للطباعة والنشر
بغداد ـ العراق
الطبعة الأولى
1426هـ ـ 2005
|