اتصل بنا

  فضاءات ثقافية   ابعاد   قضايا عراقية   الافتتاحية  

الصفحة الرئيسية


 

الاقتباس القرآني في مأثور عقيلة الطالبيين في واقعة الطف

- لقد تهيأ للسيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين(عليه السلام) من أسباب الشرف والعظمة والرفعة والشجاعة والبلاغة ما جعلها نسيجاً وحدها في هذه الأبواب، فهي سليلة الدوحة المحمدية.
- إحداث تغيير بسيط في سياق الآية بزيادة أو نقصان أو تقديم أوتأخير بناء على أن المقتبس هو غير القرآن الكريم، كقولها في رسم الصورة لأهل الكوفة :((إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من قوة انكاثاً تتخذون ايمانكم دخلاً بينكم)).
تؤكد العقيلة (عليها السلام) أن ما حصل كان بإرادة الله تعالى ليجعلهم شهداء فيحل لهم الثواب ، وليس كما قال ابن زياد في صيغة سؤاله (صنع الله) بمعنى أن ما حصل هو انتقام من الله تعالى.

د. عهود عبد الواحد/ رئيس قسم اللغة العربيى- جامعة بغداد
شخصية السيدة العقيلة و ثقافتها:
لقد تهيأ للسيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين(عليه السلام) من أسباب الشرف والعظمة والرفعة والشجاعة والبلاغة ما جعلها نسيجاً وحدها في هذه الأبواب، فهي سليلة الدوحة المحمدية، وقد تربت في أشرف عائلة وهم أهل البيت(عليهم السلام) الذين قال الله عنهم :{{((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}}))( الأحزاب:33)،فجدها رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم) خاتم الأنبياء وصفه سبحانه بقوله:{{وانك لعلى خلق عظيم}}(القلم:4) وبقوله{{((وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى*عَلمَهُ شديد القوى))}} (النجم3-5)، وأبوها أمير المؤمنين(عليه السلام) أول المسلمين إسلاماً،وأشدهم على المشركين سيفاً وأفصحهم بعد رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)منطقاً ولساناً،وأعلاهم بعده شأناً وخلقاً وحكمة،وأمها الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء(عليها السلام) خير نساء العالمين خلقاً وديناً وورعاً،وأفصحهن لساناً،وقد كناها رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم)(بأم أبيها) وأخواها الحسن والحسين ريحانتا رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم) وسيدا شباب أهل الجنة.

يقول الأمام جعفر بن محمد الصادق عن أهل البيت (عليهم السلام): إنهم أحلم الناس صغاراً وأعلم الناس كباراً ألا وإنا أهل البيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا ومن قول صادق سمعنا وأن تتبعوا أثارنا تهتدوا ببصائرنا)).. (1 )
وقد وهبها الله إلى جانب ذلك من الذكاء الفطري وقوة الحافظة وشدة الفطنة ما جعلها تنبغ في حفظ القرآن وتفسيره، وحفظ ما أُثر عن عائلتها المطهرة فأثر هذا في تكوين شخصيتها تأثيراً كبيراً فجعلها قوية الحجة، فصيحة اللسان، وقد ورثت من أهل بيتها الكرام الشجاعة والأقدام والإباء وقوة الحجة وحسن المنطق،مع حياء شديد، وعفة لا مثيل لها، ولولا أن ظروف واقعة الطف الأليمة قد أجبرتها على الظهور لما ظهرت لشدة حيائها، لكن الله العليم الحكيم أرادها أن تكون أية للعالمين ومثالاً يحتذى على مر العصور، فهي بحق المرأة التي قهرت الموت بتحملها المصائب التي تعرضت لها ورؤيتها لمصارع أهل بيتها(عليهم السلام)، وقهرت الطغاة والجبابرة فأخرستهم، فلقد خطبت في أهل الكوفة خطبة شديدة اللهجة عظيمة الوقع كضرب السيوف ورشق السهام، ولقد دهش السامعون لشدة بلاغتها وحسن منطقها وربطوا ذلك بمنطق أبيها الأمام علي(عليه السلام) وشدة بلاغته ، يقول حذيم الأسدي بعد إلقائها الخطبة في أهل الكوفة))لم أرَ والله - خفرة قط أنطق منها كأنها تنطق وتفرغ على لسان علي (عليه السلام )(2) وينقل حذيم عن أثر الخطبة في سامعيها))فرأيت الناس حيارى قد ردوا أيديهم في أفواههم فألتفت إلى شيخ في جانبي يبكي وقد أخضلت لحيته بالبكاء ويده مرفوعة إلى السماء وهو يقول: بأبي وأمي كهولهم خير كهول و نساؤهم خير نساء وشبابهم خير شباب، ونسلهم نسل كريم وفضلهم فضل عظيم...))(3)،وعندما أدخلت على عبيد الله بن زياد وكانت تتحاشى الحديث معه لذا فقد تنكرت ولبست أقل ثيابها جودة لكنه سأل عنها وعرفها ورأى الهيبة التي تعلوها، وعندما استفزها في كلامه أصابت من كرامته مقتلاًَ عظيما فاستشاط غضباً لسماع تعليقها على قوله: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ قالت: مارأيت إلا جميلا هؤلاء قوم كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فأنظر لمن الفلج ثكلتك أمك يا ابن مرجانة))(4)، فأفصح هذا القول عن شجاعة فائقة وإباء شديدين على الرغم من أنها لا ناصر لها غير الله تعالى بعد أن قُتل رجال أهل بيتها جميعاً ألا زين العابدين (عليه السلام)،وكان شديد المرض وبعد أن استمع ابن زياد إلى منطقها كله وصفها بوصف يدل على معرفة بحسن المنطق والبلاغة بقوله:((هذه شجاعة،ولعمري لقد كان أبوها شجاعاً شاعراً))(5) ، ولما في قولها من تنغيم صوتي مؤثر، ويستشف من تعليقه إشارته إلى أثر الوراثة في ذلك الإبداع. أما توبيخها يزيد في قصره، وتقريعها إياه والدعاء عليه واحتقاره أمام الملأ وعلى رؤوس الأشهاد فقد نمَّ عن شجاعة وإباء لا مثيل لهما كقولها))ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك أني لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك واستكثر توبيخك لكن العيون عبرى والصدور حرى))(6) وأمثال هذه النصوص كثيرة سأذكرها في مواضعها من البحث.


الاقتباس القرآني:
أفادت السيدة العقيلة (عليها السلام) من القران الكريم إفادة كبيرة في ماثورها المبارك في واقعة الطف، ولا ريب فهو دستور الإسلام الأول{{كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}}(هود1)،{{لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه}}(فصلت24)، ولما يحتويه هذا الكتاب من إعجاز ألفاظه ومعانيه فلقد صكَّ هذا القول الفصل الجزل السهل القريب البعيد أسماع البلغاء من العرب، تتراءى فيه أوضح المحجة، وأبين الحجة، وتكشف به الأدلة وتزاح العلة. ( 8 )
وقد سارت السيدة العقيلة على نهج جدها رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم ) في اقتباسه من القرآن الكريم، من ألفاظه ومعانيه في الكثير من كلامه والجم الغفير من مقاله، وعلى نهج أبيها أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب(عليه السلام) فارس البلاغة والفصاحة،فلقد اقتبس في خطبه وكلامه من القران الكريم وعلى نهج أمها الزهراء(عليها السلام) فاكتسى((كلامهم بذلك الاقتباس معرضاً ما لحسنه غاية، ومأخذاً ما لرونقه نهاية، ويكسب حلاوة وطلاوة ما فيها إلاَّ معسولة الجملة والتفصيل))(9) وكانت اقتباسات العقيلة ضربين:


الضرب الأول:
ضرب لا ينقل المقتبس منه عن معناه الأصلي، كقولها في مجلس يزيد:
((صدق الله سبحانه كذلك يقول {{ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون}(الروم10)(10)، حين رأته ضرب بمخصرته ثنايا أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) ويرتجز منتصراً لأجداده الكفار الذين قُتلوا يوم بدر الكبرى وذكَّرته بخطأ ظنه إذ رأى الدنيا له مستسوقة والأمور له متسقة أنه عظيم القدر،وأن بال البيت(عليهم السلام) من الله هواناً،عليه منه كرامة وامتناناً بقوله)):مهلا ًمهلا ً لاتطش جهلا ً أنسيت قول الله عز وجل:{{ولا يحسبن الذين كفروا إنما نُملي لهم خير لأنفسهم إنما نُملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين}}((ال عمران:78))(11)،وقولها له ))وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد يوم ينادي المنادي{{ألا لعنة الله على الظالمين}}((هود:18))(12).وأشارت إلى عظم ما جاء به أهل الكوفة بقولها:{{لقد جئتم شيئاً أداً * تَكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً}}(مريم 89-90) ( 13 ).


الضرب الثاني:
إحداث تغيير بسيط في سياق الآية بزيادة أو نقصان أو تقديم أوتأخير بناء على أن المقتبس هو غير القرآن الكريم، كقولها في رسم الصورة لأهل الكوفة :((إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من قوة انكاثاً تتخذون ايمانكم دخلاً بينكم))(14)، وقد اقتبست السيدة العقيلة (عليها السلام)من الآية الكريمة:{{ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ٍ انكاثاً تتخذون أَيمانكم دخلاً بينكم}}(النحل :92)، وقولها حين رأت البكاء الكاذب لأهل الكوفة :(( أتبكون أخي أجل والله فأبكوا فإنكم أحرى بالبكاء،فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً)(15) ، مقتبسة من الآية القرآنية:{{فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً}} (التوبة :82) وقدمت السيدة العقيلة (البكاء) على (الضحك) في اقتباسها ؛ لأن السياق الذي أوردته كثرت فيه ألفاظ البكاء مثل ((أتبكون، فابكوا،بالبكاء)) فكان الأفضل هذا التقديم ليكون السياق موحيا ً بجو البكاء الذي أرادت العقيلة تكريسه لما فعله أهل الكوفة من أمر عظيم يستدعيه ولو أوردت(الضحك) قبل ( البكاء) لكان هذا الإيراد متنافراً مع ما ورد.
وقولها فيهم أيضاً: (( إلا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب انتم خالدون ))(16):مقتبسة من الآية الكريمة {{ لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أَن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون}} (المائدة:80) وقد أوردت العقيلة الأداة (ألا) الاستفتاحية المؤكدة بدلاً من اللام المتصلة بـ (بئس) للتوكيد وجعلت الضمائر المتصلة للمخاطب ، وليس للغائب كما ورد في الآية الكريمة؛ لأن الخطبة موجهة للحاضرين فكان لا بد من أيراد ضمائر الحاضرين لتناسب حديثها.
كما أفادت من هذه الآية، ومن الآية الكريمة:{ وهم يحملون أَوزارهم على ظهورهم أًلا ساء ما يَزرُونَ} (الأنعام:31)، وفي قولها (عليها السلام) :(( ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم وساء ما تزرون ليوم بعثكم)) ( 17 ).
أما في قولها: (( لقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة))(18)، فقد أفادت من الآيات الكريمة:{{الذينَ ضَل سعيهم في الحياة الدنيا}}(الكهف:104)، و{{ تبت يدا أبي لهب وتب}} (المسد:1)،و {{وباءوا بِغَضب من الله و ضُربَت عليهم المسكنة} (أل عمران:112) ، وقولها لهم أيضاً: (( كلا أن ربك لنا ولهم بالمرصاد)) ( 19 ).
مقتبسة من قوله تعالى :{{إِن ربك لبالمرصاد}}(الفجر:14)، فقد زادت في هذا الاقتباس اللفظ (كلا) الذي ورد في الآيات القرآنية المكية التي كان الله تعالى فيها غاضباً على المشركين من قوله تعالى :{{ كلا إِذا دُكت الأرض دكَاً دكاً*وجاء رَبُك والمَلَكُ صفاً صفاً}}(الفجر:21-22) ،كما زادت شبه الجملتين (لنا) و(لهم) للاختصاص لتعبر عن مدى حنقها من فعلتهم مؤكدة أن الله بالمرصاد لمن تعرض لحرم رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وسوف ينزل به العقاب الدنيوي ولعذاب الآخرة المستديم أخزى ، عدلا ً وقصاصا ً.
وقد جمعت لوني الاقتباس آنفي الذكر في خطابها ليزيد : ((وسيعلم من سوَّل لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا ً وأيكم شرٌّ مكانا ً وأضعف جنداً)) (20) ، فقد أوردت قوله تعالى : {{بِئْسَ للظالمين بَدَلا ً }} (الكهف: 50) دون تغيير، بينما اقتبست من قوله تعالى : {{ فسيعلمون من هو شر مكانا ً وأضعف جندا ً }} ( مريم :75) ، بتغيير جهة الخطاب من الغيبة إلى الخطاب ، وفي قولها له: (( حين لا تجد إلا ما جقدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد )) (21) ، وقد اقتبست السيدة العقيلة ( عليها السلام ) من قوله تعالى : {{ ذلك بِما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد }} (الحج :10) بتغيير بسيط بما أوردت من أسلوب القصر:((حين لا تجد إلا ما قدمت يداك )) للتوكيد الذي أرادت إشاعته في جو الخطبة للتنبيه إلى الأمر العظيم الذي جاء به يزيد ، وبه يستحق غضب الله وعذابه فلا يجد يومئذ إلاَّ ماقدمت يداه في الدنيا. أما في حديثها (عليها السلام) مع ابن زياد فقد دخله الاقتباس في جوابها سؤاله : (( كيف رأيت صُنع الله بأهل بيتك ؟ قالت : ما رأيت إلاَّ جميلا ً هولاء قوم كُتب عليهم القتل فبرزوا ً إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم )) (22) ، مقتبسة مع قوله تعالى : {{ قُل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كُتب عليهم القَتل إلى مضاجعهم}} ( آل عمران : 154) ، لتؤكد أن ما حصل كان بإرادة الله تعالى ليجعلهم شهداء فيحل لهم الثواب ، وليس كما قال ابن زياد في صيغة سؤاله (صنع الله) بمعنى أن ما حصل هو انتقام من الله تعالى.

الهوامش

1- البيان والتبيين :2/238.
2- الاحتجاج : 2/92،الخفرة : المرأة الشديدة الحياء.
3- المصدر نفسه :
4- الملهوف على قتلى الطفوف :201.
5- المصدر نفسه
6- الملهوف على قتلى الطفوف :217.
7- الملهوف على قتلى الطفوف :218، وفي رواية الاحتجاج : 2/37 ،(( الحمد لله الذي حكم لأوليائه بالسعادة وختم لأصفيائه بالشهادة ببلوغ الإرادة ونقلهم إلى الرحمة والرأفة والرضوان والمغفرة ولم يشقَ بهم غيرك)).
8- ينظر : الاقتباس من القرآن الكريم : 23.
9- الاقتباس من القرآن الكريم :24.
10- الاحتجاج : 2/35.
11- المصدر نفسه،والصفحة نفسها.
12- الملهوف على قتلى الطفوف :218.
13- الاحتجاج : 2/30.
14- المصدر نفسه : 2/29 ـ 30.
15- الاحتجاج : 2/29 ـ 30.
16- المصدر نفسه ، 2/30.
17- المصدر نفسه ، والصفحة نفسها.
18- المصدر نفسه ، والصفحة نفسها.
19- الاحتجاج : 2/31.
20- المصدر نفسه : 2/36 ـ37.
21- المصدر نفسه :2/37.
22- الملهوف على قتلى الطفوف : 201

 

 
  اعلى الصفحة