اتصل بنا

  فضاءات ثقافية   ابعاد   قضايا عراقية   الافتتاحية  

الصفحة الرئيسية


 

موسوعة الفن التشكيلي خلال قرن
 الرسم المعاصر في العراق
(( الجانب النظري))

-إذا كان تعدد الاتجاهات يكشف عن فقدان الهوية الخاصة بالفنان ، من منظار عام ، فإن غياب النقد ، والدراسات التاريخية ، أسهم ببقاء هذا الخلل . وأن ما أُثيره هنا عن طبيعة الرسم في العراق ، ليس سوى محاولة تاريخية ، لكنها تسعى أيضاً للبرهنة على ضرورة وجود وعي فني يناسب الأفكار ، وعي فني بمعنى وجود قاعدة وتقاليد ومفاهيم راسخة أو ذات أثر إيجابي وفعال .

عادل كامل/ فنان تشكيلي
أثناء إقامة معرض السنتين العربي الأول ، في بغداد عام (1974) ، جرت عدة نقاشات وحوارات عن ماضي الفن التشكيلي العربي ، وحاضره ، وإمكانات المستقبل له . وإذا كان المعرض ، كما يقول الفنان المغربي ، محمد شبعة : " يأتي نتيجة لنضج نسبي للوضعية التشكيلية ، وانعكاساً لازمتها الحالية" ، إنّ هذا المعرض ، عملياً ، قد عكس عدة مشكلات تتعلق بطبيعة الإبداع عامة ، والرسم خاصة . فلقد تبلور ، بادئ ذي بدء : إن الفن العربي يعيش في أزمة . كما تبلور في الوقت نفسه : واقع وطبيعة الفن في كل قطر .
فنلاحظ مثلاً أن تعدد الاتجاهات ، قد كشف عن تعدد في المناهج والرؤى وعن تمزق بالفن التشكيلي عامة ، أولا ، وعن خلل لم يدرس دراسة نظرية - نقدية - جادة ثانياً.
فإذا كان تعدد الاتجاهات يكشف عن فقدان الهوية الخاصة بالفنان ، من منظار عام ، فإن غياب النقد ، والدراسات التاريخية ، أسهم ببقاء هذا الخلل . وإن ما أُثيره هنا عن طبيعة الرسم في العراق ، ليس سوى محاولة تاريخية ، لكنها تسعى أيضاً للبرهنة على ضرورة وجود وعي فني يناسب الأفكار ، وعي فني بمعنى وجود قاعدة وتقاليد ومفاهيم راسخة أو ذات أثر إيجابي وفعال . إنما هناك نقطة غاية بالأهمية تسبق أو تسير مع هذا الوعي ، وهي : القاعدة الأكاديمية للفن ، أي الشروط المدرسية التي تخص التربية الفنية ، نظرياً وعملياً ، من دون أن تنفصل عن واقع الحركة التشكيلية بشكل عام. ولعل دراسة الآراء التي قيلت عن هذا المعرض القومي ، باعتباره أكبر تظاهرة فنية ، عربية ،فنتوصل إلى:

أولاً : ما هي الأُسس النظرية للفن العربي الحديث ( فلسفياً ) ؟
ثانياً : ما هي الوسائل العلمية ( التقنية ) لتحقيق هذه الأُسس ؟ إن فكرتي هنا ، أو فرضيتي بالأحرى ، تقول : إن المشكلة الثانية بأهميتها الفائقة ، والخطيرة . إلا أنها لا تعبر إلا عن وسيلة لتحقيق الاتجاه الفكري ، الفلسفي ، الشامل . إن الرؤيا الجمالية على سبيل المثال ، ما هي إلا تعبيراً عن نماء الحضارة ، وإلا ما معنى الحديث عن الحضارة ، والجمال وأثره في حياة الإنسان المعاصر؟ وبتحليل أولي للفن التشكيلي العربي الحديث . أو للنماذج التي شاهدناها ، في هذا المعرض وغيره ، نكتشف وجود الخلل الأول ، والثاني في الوقت نفسه. مع عدم تجاهل المحاولات الرائدة في العديد من الأقطار العربية ، طبعا. وما دامت هذه الدراسة مكرسة للرسم في العراق ، فإني سأحاول أن أشير إلى الجوانب النظرية ، التي ظهرت ، خلال ربع القرن الماضي ، تلك الجوانب التي خلقت عدة أنماط فنية جديدة ومبتكرة ، وذات صلة بالواقع العربي . كما سأشير إلى نتائجها العملية . كما سأدرس عدداً من الرسامين الذين حاولوا التعبير عن أفكارهم من خلال الرسم . - أي الاتجاه الثاني - والذين ينتمون ، بشكل أو آخر ، إلى واقعية لها أسسها المعروفة عالمياً . ومع ذلك فإنها لا بد أن تمهد أو تشير إلى وجود مدرسة عربية بالرسم ، فمن خلال عودتهم الدائمة لدراسة مكونات البيئة ، المناخ ، وبضمنها الإنسان ، وحالاته ، وأوضاعه ، فإنهم بهذا اكتشفوا الطريق الصحيح الذي لا بد أن يفضي إلى نتائج أساسية ، نتائج تتعلق بخلق وحدة ( أو معادل موضوعي ) بين الأفكار والتقنيات ( الأساليب). ولكن السؤال الذي يبقى البحث قائماً حوله ، هو : ما هي طبيعة الرسم في العراق ؟ أو بمعنى آخر : ما هو واقع الرسم ؟ يقول الناقد ( الن ينم ) في عام 1956: " ومشكلة الفنان في العراق لا تكمن فيما يرسمه ، فللاختيار مجال جديد غير مستغل ، ولكن في كيفية رسمه ، وفي مقدار ما يأخذه من التقاليد الغربية ومقدار ما يستطيع تكييفه منها وطريقته في ذلك ثم مدى ما يرفضه منها . وتتراوح حلول الفنانين البارزين بين الأسلوب الأكاديمي المعدل لحافظ الدروبي وانطباعية عطا صبري والخيالات الدقيقة لجواد سليم وبدائية فائق حسن ” إن هذا الحكم . على أية حال ، يعطي حكماً عن واقع كان وما يزال في البداية ، لكنه لا يفتقر إلى الدقة والذكاء . ومثل هذا الحكم سنكرره أيضاً ، وستبقى الكثير من الملاحظات عن الرسم ، قائمة ، وعلى هذا المستوى النقدي . فالرسم في العراق - كما في الأقطار العربية الأخرى - تأثر بالأساليب الأوربية ، وبعد عام (1958) تبلور اتجاه تعبيري إرتبط بالواقع الفعلي للناس ، مثلاً ، عند عطا صبري ، وخالد الجادر ، وهو اتجاه لا يمكن تسميته بـ(التعبيرية) ، لمدرسة ، ولكنه ينتمي إليها أكثر من انتمائه إلى مدرسة أخرى . وبالتأكيد هذا الاتجاه قد ظهر قبل سنوات من عام 1958: جواد سليم ، محمود صبري ، شاكر حسن ، وخالد الرحال. إذن . نستنتج هنا ، بأن تحرر الفن من القيود والركاكة ، لا ينفصل عن قيم الحركات الوطنية والقومية، وذلك من خلال تأثير هذه الحركات على بنية الواقع الفني أولاً ، واستجابة هذا الواقع ، إيجابياً.
ثانياً وأنا اتفقت تماماً مع قول الفنان محمد شبعة ، في أن الحركة التشكيلية ، قد بدأت في وقت كانت فيه الثقافة العربية قد تلقت ضربة قاسية جمدتها لعشرات من السنين . ومعنى هذا يؤدي بنا إلى : إن بداية الحركة الفنية في العراق ، أو في أي قطر عربي آخر ، إنما هي تعبير عن ضرورة خلق الرؤيا الجديدة ، الرؤيا المرتبطة بواقع متحرر ، وعربي المصير.
وإذا لم يكن هذا الهدف ، قد تبلور عند الرسامين كافة . فأن لهذا الهدف ، بشكل عام ، تأثيرا واضحا في العديد من الاتجاهات الفنية. كما أن الاتجاهات الأخرى ، الأكاديمية منها بالذات - فقد تأثرت بهذا المنهج . وبالتالي نفهم ، إذن : ان الرسم في العراق ، سعى ليبلور : أولاً : خلق الاتجاه الوطني فكرياً . ثانياً : وخلق القاعدة المدرسية ، الأكاديمية إلى حد ما ، والتي تعبر ، بشكل ما من الأشكال ، عن تأثرها بالهدف الأول . والطبيعة الفعلية لواقع الرسم - الفن - خلال ربع القرن الماضي ، وحتى الآن تقريبا - بالرغم من العديد من الاستثناءات ، في أعمال الستينات ، والأعمال الأخيرة - تبقى في جملتها خاضعة لواقع اجتماعي ، أي لمعطيات اجتماعية وما إلى ذلك . لكن الحقيقة التي تبقى واضحة ، وهي أن التمرد ضد " ذوق" هذا الواقع الاجتماعي هو الذي أسهم بشكل واضح بخلق هذه التجارب الرائدة كافة ، وضمنها هدفاً تجاوز الرؤيا الآنية ، لصالح رؤيا ترتبط ، نظرياً وعملياً ، بأجيال طليعية إن جاز القول ، أو برؤيا لا تتحدد بجعل الفن مجرد ''ترف'' أو لأغراض تزيينية . والفن ، بهذا المحتوى ، لم يكن ديكوراً ، كما فهمت أو تفهم البرجوازية وظيفة الفن ، وإنما كان ، على الضد من ذلك ، محاولة للكشف عن رؤيا تناسب تطلعات الطبقات الأخرى . الأكثر ارتباطاً بمصير القطر ، والأمة في الأخير.
الجانب النظري:
يقول هربرت ريد " لابد لأي نظرية عامة في الفن ، من أن تبدأ بهذا الفرض : إن الإنسان يستجيب لشكل الأشياء القائمة أمام حواسه وسطحها وكتلتها ، كما ينتج تناسق معين متعلق بسطح وشكل وكتلة الأشياء.."،ولكن الواقع يثبت العكس. إن الفنان هو الذي يخلق الواقع الجديد ضمن جدله وصراعه مع هذا الواقع . وهذه القضية لا تتحقق من دون فكرة أساسية لا تنتمي إلى الواقع - الآني ، بل تناقضه في الغالب - كامتداد أو تطور - . وتاريخ الفن يكشف عن حقيقة هذه الفرضية بجلاء ، مثلا : الفنان في عصر النهضة الإيطالية ، لم يقدم نتائج مغايرة لأنماط الفن السابقة ، من دون وجود فكرة فلسفية جديدة ، ومغايرة للأفكار السابقة ، كما ان فن "كويا " كان رد فعل ضد الأنماط الفنية السائدة ، وبمعنى أدت : ضد الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي كانت مهيمنة آنذاك . وهذا ما ينطبق على الفن التعبيري . والفن المكسيكي .. الخ . وفهم واقع الفن في العراق ، يبدأ من هنا ، أي من مبدأ محاولة الفنان لخلق الشخصية الوطنية والقومية ، وذات السمات الفنية الخلاقة . فبعد نهاية العقد الثالث ، تحتم على الفنانين ، أن يرفضوا كل رؤيا سابقة تقليدية ، كما تحتم عليهم ، ضمنياً أن يرفضوا الواقع القائم عامة . والواقع السائد آنذاك ، هو ، كما نعلم يتشكل من بعض المفاهيم الأولية عن الفن ، والمعتمدة على المحاكاة والتقليد . كما أن الواقع الاجتماعي لم يكن متحرراً من الهيمنة الاستعمارية ، والخضوع للموروث السلفي المتخلف بالعادات والمفاهيم العامة عن الحياة ، وهذا ما حتم أن تظهر بعض التقاليد الخاصة بالتجارب الأوربية . من هنا ، تحتم على جيل الرواد ، والأجيال التالية أن يفكروا بخلق أسس نظرية سليمة لفنهم ، ولفهم واقعهم بصورة أصيلة . وبالتالي ، فالأسس النظرية ، لها أسبابها الضرورية ، ذلك لأنها أصل ، لا تنفصل عن أفكار الحركة الوطنية والقومية ، فكيف يتشكل الفن ويتأسس من دون هذه الأفكار ، وإذا ما عرفنا أن الفن يأتي معبراً عن هذه الأفكار الجديدة ، أساساً . وبالتأكيد لم تتبلور مدرسة واضحة المعالم ، في أي اتجاه كان ، مدرسة بمعنى التطابق الكامل بين الأسس النظرية والتطبيقات العلمية . كما لم تظهر مدرسة نظرية متكاملة ويمكن التحدث عنها ، بشكل تفصيلي. لكن هذا لا يمنع من التحدث عن بعض الجوانب التي وجدت ، كتمهيد نظري لأفكار يمكن أن تنمو ، وتتطور ، وتصب باتجاه فلسفي متكامل . هنا ، سأتطرق إلى ثلاثة أسماء ، بصفتها الأكثر فعالية في التأثير على حركة الفن ، والرسم خاصة ، في القطر ، من جهة ، ومن جهة أخرى ، لكونها قد اهتمت بالجوانب التنظيرية بشكل أدق.


جواد سليم

تميز جواد سليم ، كفنان لا كرسام حرفي ، بعدم الخوف من خوض التجارب بكل الاتجاهات الفنية ، بل والفكرية كذلك . فلقد تأثر ، واستجاب لتأثيرات العديد من الفنانين العالميين ( هنري مور ، بيكاسو ، جان ميرو) الخ، كما تأثر بالفن العربي القديم ، والإسلامي ( وبفن الواسطي بشكل خاص ) لكن جواد سليم ، أثناء هذه التجارب ، المختلفة ، المتغيرة بالاتجاه والنمط الأسلوبي كان يفكر ببلورة نظرية خاصة بالفن . لهذا استطاع ، كما يقول خالد علي مصطفى في الملف الخاص عن الفنان بمجلة المثقف العربي : " أن يرسي أصول مدرسة ـ عراقية " أصيلة في حقل الفنون التشكيلية . وقد استمدت هذه المدرسة أصولها من ينابيع الآثار العراقية القديمة ، والفن الإسلامي ، والمدارس الأوربية " . وبالطبع ينبغي أن نفهم ، هنا ، إن جواد سليم استطاع أن يرسي العديد من الأسس الواضحة لبداية مدرسة عربية في الفن التشكيلي . وليس مجرد مدرسة " عراقية" . وأبسط مراجعة للنصوص التي كتبها ، توضح لنا ، بان هدف جواد سليم كان يسعى إلى خلق فن لا ينفصل عن المنحى القومي ، والأسس النظرية لهذه الدعوة تشترط فهم بعض الحقائق : إن الفنان وريث الماضي ، وليد الحاضر ، لكنه ، في الأخير ، لا ينفصل عن الفنان المستقبلي الذي يؤمن بالغد . لهذا فقد كانت أبرز فرضيات جواد سليم ، هي الداعية لخلق فن قومي . ولهذا الفن ، حسب فرضيات الفنان ، عدة شروط . أولاً :العودة إلى فهم التراث ، فهماً معاصرا
ثانياً : فهم الواقع ، برؤيا واقعية
ثالثاً : فهم المؤثرات الأجنبية بكل خصائصها الجيدة . ورابعاً : التوصل إلى نتيجة جديدة. بيد أن الأساس المهم ، لفرضيات أو بحوث جواد سليم ، لم تتبلور كما تبلورت في عمله "نصب الحرية" القائم الآن ، ومنذ سنوات ، في الباب الشرقي . صحيح كانت ثمة تجارب فذة عنده ، على صعيد تجسيد الأفكار ، لكن هذا العمل يبقى المعبر عن خلاصة دقيقة لتجاربه كافة. وبالذات عن اتجاهه الفكري ، الوطني والقومي . أي المعبر عن خلاصة تجربة كاملة ، استفادت من الآثار المعاصرة والواقع والتراث لصالح فن لا ينفصل عن دينامية الموروث الإبداعي ، أي الموروث الذي يجعل من الرؤية الجمالية ، منذ بدء الصلة الحميمة بالأفكار والفلسفة. ولكن قبل كل شيء ، كان جواد سليم ، يسعى لبلورة فن لا يتأسس إلا على جوانب فكرية واضحة المعالم . وأعتقد ، أن تلك الجوانب التي سعى إليها جواد ، هي التي كانت تسير لا باتجاه فهم الموروث، فحسب ، بل ولخلق ذاكرة جديدة ، ولخلق موروث واقعي يتناسب مع عظمة الفن العربي في الماضي ، ومع طموحات الفنان الآن والتي تناسب تقدم الواقع ، اجتماعياً وسياسياً. ولهذا نلاحظ ان جواد سليم قد أكد دائماً على معادلته "التراث - المعاصرة


شاكر حسن
يعتبر شاكر حسن آل سعيد من أكثر الفنانين بحثاً عن المضامين الفكرية . ولهذا نراه قد ابتدع عدة فرضيات ذات أساس فلسفي تارة وتأملي تارة أخرى . منذ أتفاقهِ مع جواد سليم على تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث (1953) ، وحتى الآن ، استمر شاكر حسن في العمل الفني . فإذا افترضنا انه ، كان على اتفاق مع أهداف جواد ، فإننا سنلاحظ انه في منتصف العقد السادس ، يدعو إلى فرضية قائمة على التأمل . إن كل أهدافه الفنية ، والجمالية إلى حد بعيد ، بعد عقد واحد من ميلاد جماعة بغداد ، ستتغير تماماً . فالفن عنده يغدو وسيلة لخدمة غايات مثالية ، وصوفية . وبعدها بعقد تقريباً ، سيبلور فكرة تجمع البعد الواحد . والذي يدعو فيه إلى اكتشاف مميزات الحرف العربي ، من الناحيتين : الفكرية والجمالية . وقد استطاع أن يجمع من حوله ، عدداً من الرسامين ، وان يقيم لهم عدة معارض . لكن تأثير شاكر حسن . بشكل عام ، يختلف عن تأثير جواد سليم . فإذا كان الأول قد دفع بالاتجاهات الفنية إلى التجريد . والى المعالجات الجمالية . فإن جواد سليم ، كان أكثر تحرراً من هذا التحديد ، ومع ذلك ، فقد كان لفرضيات شاكر حسن ، تأثيرها الواضح بالرسم في العراق . وأهم هذه التأثيرات هو تبلور فن البعد الواحد ، أو الحرف يستلهم الفن التشكيلي. إن شاكر حسن لم يتوصل إلى فرضية واحدة ، لكنه تابع البحث بخلق فرضية متكاملة ، قد يحددها في وقت لاحق . بيد انه استطاع أن يؤثر في العديد من الفنانين ، في محاولة لخلق طراز فني يستمد شروطه من روح التراث العربي ، والإسلامي بشكل خاص . وفي الوقت نفسه ، أن لا ينفصل هذا الفن عن الواقع الآني ، الحاضر ، لأن فرضيته الأخيرة استلهام الحرف ، ودراسة الجدران وما عليها من آثار تدعو لدراسة هذه الأجزاء ، بشكل دقيق ، من ثم لتتبلور باتجاه فني عام . وكل هذا يأتي معبراً عن أفكار الفنان النظرية ، الداعية باستمرار إلى وحدة الأفكار بالأسلوب ، وعدم الوقوع في ازدواجية المحتوى والشكل . ومن ناحية أخرى ، فأن شاكر حسن بكتاباته النظرية والنقدية ، يحاول أن يدعم وجهات نظره بضرورة تأسيس فن يستمد مقوماته من البيئة بما فيها ، ومن روح هذه البيئة ، فامتداد لخصائص التراث الروحية ، والجمالية أيضاً.


محمود صبري
بالرغم من أن محمود صبري لم يضع نظرية فنية خاصة ، خلال السنوات الأولى من حياته الفنية ، إلا انه استطاع أن ينقد ، ويشخص ، طبيعة الواقع التشكيلي في العقد الخامس من القرن الماضي . أي في هذه المرحلة التي رسم فيها أفضل أعماله ذات البعد الاجتماعي والسياسي ( الشهيد / ثورة الجزائر) ومن يراجع كتاباته في تلك الفترة يلاحظ انه استطاع أن يشخص عدة مشكلات أساسية . فمقاله بمجلة الآداب عام ( 1956) يكشف عن اختياره لأفكار فنية واضحة المعالم وذات بُعد أو انتماء اجتماعي . ومحتوى تلك الأفكار يتحدد من خلال نقد محمود صبري للفن الأحادي النظرة، كما دعا إلى ضرورة أن يكون الفن معبراً عن الخصائص الروحية للشعب ، ولقضاياه الحاسمة . وللأسف أن محمود صبري لم يبلور أفكاره بشكل واضح كما فعل جواد سليم أو شاكر حسن ، ولكن هذا لا يعني ، انه لم يحقق . في العديد من أعماله وأعمال الآخرين ، بعض التأثيرات المهمة ، ولعل أبرزها ظهور الاتجاه التعبيري والتعبيري النقدي في الفن. وفي العقد السابع ، يجيء محمود صبري بنظرية " الكم " . وقد ، كتبت بديعة أمين ، دراسة نقدية رائعة حقاً عن هذه النظرية في مجلة آفاق عربية ، عدد (7) 1977 ، تقول الكاتبة: ((”ينطلق صبري من مفهومين علميين يتخذهما أساساً لإعادة صياغة التعبير التشكيلي في العصر التكنونووي . الأول : وهو المفهوم الذي يلغي صفة سكونية المادة وكونها شيئاً جاهزاً ، ويعتبرها نظاماً من العمليات . والمفهوم الثاني ينطلق من اكتشاف اينشتاين الذي يقول: إن الطاقة هي شكل من أشكال المادة ، وهو ما يعبر عنه في المعادلة (ط = ك س .)" . وقد تبدو هذه النظرية غريبة إلى حد ما . لكن محمود صبري الذي يعتمد على أسس علمية ، فيزياوية ، يحاول أن يغني التجربة الجمالية والفنية برافد جديد في الرؤيا والمعالجات التي تناسب تطور الحياة في نهاية هذا القرن . ومهما كان نجاح أو فشل هذه النظرية ، فأن محمود صبري يبرهن على شجاعته في اكتشاف مجال غير مرئي في وضع نظرية جديدة.


خلاصة

ونلخص أخيراً إلى أن الاجتهادات والفرضيات الفكرية ، كانت غالباً ما تصب بتباينين بارزين . الأول يسعى إلى بلورة فن يمتلك خصائص " التراث والمعاصرة" واتجاه آخر تجريبي وتعبيري في آن وهو اتجاه يمتلك قدرة استلهام الأساليب وبلورتها باتجاه لا يختلف عن الأول ، إلا بالطريقة . بالتالي فأن الاتجاهات والاجتهادات النظرية كافة أو ذات الطابع النظري ، تقود إلى محاولة لفهم اتجاه فلسفي شامل يصب بفكرة تأسيس مدرسة عربية معاصرة في الفن التشكيلي . واعتقد أن هذه الاتجاهات ما تزال في بدء طريق صعب وطويل . ومع ذلك ، فعلينا أن ندرسها ونحللها لوضع الأسس السليمة لتلك المدرسة ذات الامتداد التاريخي للحضارة العربية قبل الإسلام وبعده ، والمرتبطة بفلسفة الأمة المتمثلة بفلسفة الثورة العربية المعاصرة ، ولعل من الضروري أيضاً الإشارة هنا إلى أن هذه الفلسفة لم تدرس نظرياً على صعيد الفن وعلم الجمال ولا على المستوى التطبيقي ، العملي . وهذا التنبيه يجعلنا نفهم بان المرحلة السابقة ، كانت تنتمي إلى الاتجاه التجريبي الذي أعطى العديد من الأسس الصحيحة ، ولذلك مهد ويمهد لنماء فلسفة عربية بالفن التشكيلي ، فلسفة ملتزمة ومعاصرة

* عضو رابطة نقاد الفن في العراق.

 
  اعلى الصفحة