اتصل بنا

  فضاءات ثقافية   ابعاد   قضايا عراقية   الافتتاحية  

الصفحة الرئيسية


 

لمناسبة ذكرى استشهاده

شهيد المحراب ... الوسطية والواقعية و الاعتدال

(المقاومة السياسية وشروط المواجهة في فكر شهيد المحراب)

كريم النوري/ رئيس تحرير صحيفة بدر


-
كانت القدرة العلمية والكفاءة العالية في البحث العلمي لشهيد المحراب تمتلك من الخصائص الموضوعية التي تبني الفكرة وتعتمد الوعي وتنصف الآخر.

- علماء النجف الاشرف وشيعة العراق هم الذين قاتلوا، وهم الذين قدموا التضحيات، وهم أصحاب القوة.. ولكن كان همهم الأول الإسلام، ولم يكن لهم هم طائفي مذهبي ولذلك اختاروا حاكما سنيا على شرط أن يحكم بالإسلام.

 إنَّ من سمات شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم(رضوان الله عليه) العمق الفقاهتي والقدرة الاستدلالية في استنباط الحكم الشرعي بالاضافة الى الالمام السياسي الاجمالي بالواقع ومتغيراته فقد كان يعالج القضايا بوعي فقهي معمق واصولي موثق من خلال اعتماد القواعد الفقهية والاصولية في الاستدلال على الحكم الشرعي ذات المنحى السياسي وتوظيف القدرات الاستدلالية في تشخيص الاولويات على وفق مبدأ الموزانة بين المصالح والمفاسد وقاعدة التزاحم عبر تقديم أقل المفسدتين واخف الضررين ورفض التقليد المذموم والتعصب الاعمى وروح الجمود والانغلاق السلبي.
ورغم انفتاحه على الواقع بكل آفاقه ومعطياته السياسية والاجتماعية الا أنه لم يكن متسامحاً في قضية الدين والشريعة والمواقف السياسية المبدئية، بل كان صلباً في المواقف المبدئية وشديداً في العقيدة لا يقبل التساهل والتسامح على حساب الموقف الاسلامي ولا يقبل المساومة والخنوع.
خضعت رؤية شهيد المحراب(رضوان الله عليه) السياسية لمقاسات الشريعة ومحددات الدين ومبادىء العقيدة، وأنطلقت من فهم معمق لمتطلبات الواقع ومتغيراته، فان مساحات الاداء السياسي وتفاصيله لا تتأطر بضوابط عقائدية ثابتة لا تقبل التغيير او الانفتاح باعتبارها قضايا نسبية تحددها الظروف ومناسبات الحكم والموضوع.
تعاطى شهيد المحراب(رضوان الله عليه) مع الواقع العراقي السياسي بكل تعقيداته ومستجداته برؤية واقعية ومرونة لم تبعده عن ثوابته مبادئه وشعاراته وحافظ على قيمه وأصالته الإسلامية من دون ان ينغلق أمام الانفتاح الايجابي مع الاخر المحلي او الدولي.هذا التوازن الصعب بين الحفاظ على المبادئ والثوابت من دون انغلاق او انزلاق وراء المخططات الغربية والتخلي عن اصوله الاسلامية والعربية وبين الانفتاح الايجابي على المستجدات والتطورات الدولية والاقليمية في العراق والمنطقة من دون المساس بالثوابت والاخلاقيات التي تبناها في مسيرته السياسية.
إِنَّ تحديد الاولويات وتشخيص المصالح العليا في الدخول في معترك السجال السياسي الذي سبق سقوط النظام والذي اعقبه، يحتاج الى نظرة بعيدة المدى ورؤية استراتيجية متوزانة وقد يؤدي الافراط او التفريط بهذه الموازنات والخيارات الى الوقوع في فخ السقوط وهو ما كان يحذر منه شهيد المحراب(رضوان الله عليه) باستمرار ويؤكد دائماً بان العمل السياسي قد يؤدي الى الوقوع في المزالق والمآزق اذا لم يراع في الاداء السياسي التقوى والمحاسبة والمراجعة المتواصلة.
وثمة قناعات خطيرة على اداء الحركة الاسلامية وخصوصاً في المغرب العربي بسبب ظاهرة التطرف والتشدد والانغلاق والتعامل مع الواقع بنظرة ضيقة وتفسير خاطىء للمفاهيم، وقد تبلورت من خلالها ظاهرة التكفير للمسلمين او الاستعلاء عليهم او التعاطي مع الواقع السياسي ومتغيراته برؤية منغلقة تستبعد الاجتهاد والتجديد في قراءاتها، بل وتطالب الناس بالعودة إلى حكم الخلافة الراشدة والأمارة الإسلامية من دون الإحاطة بالمتغيرات السياسية ومتطلبات الواقع واستحداث آلياته.
ويشير شهيد المحراب(رضوان الله عليه) الى الاجتهادات الخاطئة التي تبلورت في فقه بعض الحركات الإسلامية بقوله"إن هناك نظريات سياسية ذات جذر فقهي تؤمن بها بعض الأوساط الإسلامية وهذه النظريات تتسم بالعنف ، حيث انها تقوم على أساس ان الاحتلال لا علاج له إلا باستخدام العنف، فالبلد متى ما تعرض للاحتلال والسيطرة الاجنبية فعلاجه العنف لأنهم يشككون في نوايا المحتلين ووعودهم وقراراتهم ومن ثم يرون لا طريق الا استخدام العنف وهذه النظريات السياسية ليست خاصة بجماعة دون أخرى" (1).
وقد أَدّت هذه النظرية والتصورات إلى تكريس إرباك في الوعي الغربي ونظرة سوداوية عن المسلمين جميعاً ويقول شهيد المحراب(رضوان الله عليه) في هذا السياق موضحاً " ان المسلمين لا يؤمنون جميعاً بهذه النظرية هناك من يقول منهم بهذه النظرية،ولكن أيضاً هذه النظرية السياسية موجودة في كل العالم، في الغرب يوجد من يرى هذه الرؤية، وكذلك في المعسكر الشرقي (سابقاً) وفي التيار اليساري وحتى التيار اليميني الغربي ولذلك تشاهدون مثلاً في اسبانيا التي يشكل وجودها الآن جزء من قوة الاحتلال ومع ذلك فان الأسبان توجد مجموعات سياسية من بينهم تستخدم العنف، وفي بريطانيا توجد مجموعات سياسية تؤمن بالعنف وتستخدمه هؤلاء ليسوا مسلمين ولا يرتبطون بالعالم الإسلامي، وهكذا في الولايات المتحدة الأمريكية مجموعات تلتزم هذا المنهج وفي أمريكا اللاتينية وغيرها إذن، فهذه النظرية السياسية موجودة في فهم العمل تجاه قضية الاحتلال والهيمنة الخارجية"(2).
ويضيف شهيد المحراب(رضوان الله عليه)" يوجد بعض المسلمين - وهم قّلة- يسمون بأهل الظاهر في الفقه الإسلامي الذين يتمسكون بظواهر النصوص ويأخذون بهذه النظرية ويعلمون بها ويبشرون بها"(3)
ويحذر شهيد المحراب(رضوان الله عليه) من دور وسائل الاعلام العربية ومساهمتها في استدراج العراقيين في مستنقع القتال ضد قوات التحالف لإجهاض المشروع العراقي من الداخل ويؤكد قائلاً " ان وسائل الاعلام العربية، ويمكن أن نسميه بالعامل المساعد، فهم الآن يمارسون دوراً مهماً جداً في سحب الشعب العراقي ودفعه باتجاه قوات التحالف، والاحتلال هذه حقيقة واضحة وبينة"(4)
ويشير إلى المسعى الإعلامي لتحقيق أهدافه في أحداث قتال بين العراقيين وبين قوات التحالف بقوله" هؤلاء يستخدمون الان جميع إمكاناتهم الإعلامية وأساليبهم وتجاربهم والفن الإعلامي الذي يملكونه لممارسة حرب نفسية على العراقيين ، من اجل ان يسحبوهم إلى الدخول في معارك ضارية لا اول لها ولا آخر مع قوات التحالف وهذا هو الواقع الذي نعيشه الان"(5)
وأما المنهج الذي أكدهُ شهيد المحراب(رضوان الله عليه) في مسيرته وأدائه السياسي فقد اعطى إنطباعاً إيجابياً عن الإسلام وديناميكيته وأضفى رؤيا مُتبصرة ومنفتحة على الواقع بتوازن يحفظ حق الشريعة وحق المتغير وهو ما عكس النظرة الواقعية للإسلام والإيمان بالاجتهاد والتجديد، وبدد المزيد من المخاوف والهواجس التي كرستها الممارسات الخاطئة للإسلاميين المتطرفين من جهة، وأكدّ عالمية الإسلام وشموليته وقبوله لكل زمان ومكان من جهة ثانية.
إنَّ الأصالة والاعتدال والعقلانية في المنهج تعتمد على أُسس فكرية ومقدمات علمية وقراءات للنص والسيرة تتميز بالموضوعية بعيدة عن التعميم والخلط والارباك الفكري.
وتتبلور الافكار عادة من مقدمات علمية صحيحة ومرتكزات مبنية على الدقة المنطقية وفرز صحيح بين تداخلات الافكار وتعقيداتها.
وكانت القدرة العلمية والكفاءة العالية في البحث العلمي لشهيد المحراب تمتلك من الخصائص الموضوعية التي تبني الفكرة وتعتمد الوعي وتنصف الآخر في أاغلب الأحيان.
ويشير شهيد المحراب الى طبيعة الخلط والإرباك في الفكرة التي يطرحها الباحثون هو التمييز بين الرأي السائد والرأي الشاذ داخل كل مذهب. فآراء رجل المذاهب بعضها يمثل الرأي العام السائد وبعضها شاذ يختلف عن متبنيات المذهب السائدة. والباحث الذي يسند رأياً إلى مذهب معين، لابد أن يأخذ بنظر الاعتبار الرأي السائد، ولا يتشبث بالآراء الشاذة. نعم يمكن أن ينقل هذه الآراء الشاذة وينسبها إلى أفرادها، لا إلى المذهب بشكل عام. وإنَّ والانفتاح السياسي في منظور شهيد المحراب(رضوان الله عليه) هو عملية التنسيق والتعاون أو التحالف مع القوى الإسلامية وغير الإسلامية باتجاه تحقيق الهدف العام وهو إنقاذ الشعب العراقي والدفاع عن حقوقه أو تحقيق الأهداف المرحلية لتطبيق الهدف الأخير وهو تطبيق الإسلام.(6)


اشكالية المقاومة والموقف الشرعي


لا شك إنّ احكام الشريعة ليست احكاماً مجردة عن المصالح والمفاسد وربما هذا ما يميز فهم اهل البيت(عليهم السلام) عن فهم بقية المذاهب الأخرى في الإسلام، وان الذي يُحدد هذه المصالح والمفاسد هو المجتهد العارف بالشرع وبالظروف والأحوال التي يعيشها المجتمع حتى يتمكن من الجمع بين النصوص الشرعية التي تتحدث عن الحكم وبين المصالح التي تكون وراء الحكم الشرعي ومعرفته بقدرة المسلمين على ممارستهم لواجباتهم ومسؤولياتهم ، هذه العملية هي التي تجعلنا نقول انه في المواقف السياسية من الناحية العامة يجب الرجوع فيها الى المجتهد العادل الخبير في الاوضاع السياسية والاجتماعية هذه هو الموقف الشرعي العام(7).
إنَّ الموقف الشرعي العام الذي اشار اليه شهيد المحراب(رضوان الله عليه) الذي ينطبق على الحالة الراهنة في العراق فيمكن ان يشخص الموقف السياسي الذي يتسم بالشرعية يتمثل في عدة امور والتي وجد رضوان الله عليه فائدتها في وقت مبكر ، أي مع بدء عملية الاحتلال . وهذه الأمور:
الأمر الأول: لابد ان نبذل كل الجهود المشروعة ذات الطابع السلمي لانهاء الاحتلال لان الشرع المقدس يقول لا يعمد الانسان الى استخدام العنف والسلاح والقوة الا بعد ان بذل الجهود في استخدام الدعوة الى الله والحكمة الموعظة الحسنة والعمل السياسي حتى يصل الى استخدام القوة(8). فرسول الله بقى ثلاثة عشر سنة يدعو الى الله ولم يستخدم القوة ولامرة واحدة حتى أقام الحجة الكاملة على الناس عندئذ يتحول الانسان الى استخدام القوة والقدرة.
فالإسلام يرى انه مادامت باب الوسائل السلمية مفتوحاً فلابد ان تتبع حتى تقام الحجة بصورة كاملة وتبذل الجهود من أجل إنهاء الاحتلال الجهود التي تتسم بالسلمية.(9)
الامر الثاني: قضية ضبط النفس في هذه المرحلة ، لان هناك محاولة لجر العراق الى حرب ضروس لا اول لها ولا اخر، وهذه المسألة لابد من الانتباه اليها في هذه المرحلة بالذات فقضية ضبط النفس مهمة جداً في الحكم الشرعي.(10)
الامر الثالث: ممارسة كل وسائل الاحتجاج والتعبير عن استنكار التصرفات الخاطئة التي تتسم بالعنف واللامبالاة واللامسؤولية التي ترتكبها قوات التحالف في (عام )2003 ضد الناس الابرياء ولدي وثائق تؤكد ذلك فانهم يسرقون الناس ويعتدون عليهم ولا يهتمون بآدابهم وقيمهم ومثلهم وهذه مسألة مهمة جداً لابد أن نحتج عليها ونستنكرها ونتحدث عنها من أجل ان يكون هناك انضباط في التعامل مع الناس ومعالجة هذه الحالة"(11)
ويضيف شهيد المحراب(رضوان الله عليه) " وكذلك الاستمرار في الحوار المنطقي الصحيح الذي يعبر عن موقف الشعب العراقي، وانا ادعو العراقيين جميعاً بقواهم السياسية والشعبية ومنظماتهم الى الاتحاد في هذا الموضوع ويقفون موقفاً واحداً في التعبير عن ضرورة انهاء الاحتلال بأسرع فرصة"(12).
والرفض لكل قضية مفروضة بحكم الامر الواقع لابد ان تعتمد على اسس ومبادىء موضوعية كما ينبغي ان توجد بدائل اختيارية يمكن ان تساهم في سد الفراغ او املائه على وفق الخيارات المتاحة والممكنة والتي لا تمس ثوابتنا الاسلامية والسياسية والاخلاقية.
والحوار الذي يشير اليه شهيد المحراب(رضوان الله عليه) كبديل حضاري لخيارات العنف والفوضى والارباك يعتمد على مبادىء اربعة "يمكن ان تكون اساساً للحوار الذي ندعو اليه لذلك نعتقد ان هذا الطريق الصحيح لمواجهة العنف ليس التعتيم على الحقائق بل في بيان هذه الحقائق واسباب العنف ونذهب الى معالجة الاسباب"(13)
واسس الحوار قد اشار اليها قرار مجلس الامن(1483) الذي صدر بالاجماع وقدمته الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا إلى مجلس الامن واقر من قبله وهو قرار يصلح ان يكون اساساً لهذا الحوار وهو يؤكد على مبادىء اربعة:
المبدأ الاول: يؤكد على السيادة العراقية.
المبدأ الثاني : السرعة في انهاء الاحتلال.
المبدأ الثالث: مساعدة العراقيين على تشكيل الادارة العراقية ، العراقيون هم الذين يشكلون الادارة العراقية المؤقتة وعلى قوات التحالف ان تساعدهم على ذلك وهذا ما ينص عليه قرار مجلس الامن.
المبدأ الرابع: إتخاذ الاجراءات العملية السريعة لاجراء انتخابات عامة ينتخب فيها مجلس دستوري يكتب الدستور ثم بعد ذلك تجرى انتخابات عامة لتصبح لدينا حكومة عراقية ذات سيادة كاملة وبهذا يمكن ان ننهي الاحتلال (14)
والواقعية التي تميز بها شهيد المحراب(رضوان الله عليه) والتعامل مع المستجدات برؤية منفتحة بعيداً عن المواقف المسبقة والتصورات المبيتة المنغلقة فتحت آفاقاً واسعة لتشخيص الواقع وتحديد مصالح شعبنا وتحقيق مكاسبه.
و يفرز الأفق السياسي وتفاصيله خيارات عديدة يمكن للسياسي البارع انتقاء اكثرها منفعة او اقلها شراً وان وجود المعسور لا يمنع الميسور في الاداء السياسي.
وفي هذا السياق قال شهيد المحراب(رضوان الله عليه) " أمامنا في هذه الظروف الحساسة عدة خيارات رئيسية هي : (15)
1- المشاركة في الحرب الى جانب الولايات المتحدة للخلاص من النظام.
2- الوقوف في وجهها والدخول في معركة معها الى جانب النظام.
3- الوقوف موقف الحياد السياسي في هذه المعركة غير الشريفة.
4- الوقوف الى جانب الشعب العراقي ، من اجل الخلاص من الاستبداد والطغيان ، والاستمرار في العمل والصمود والصبر واستثمار جميع الفرص من ذلك.
فيختار شهيد المحراب(رضوان الله عليه) الخيار الاخير بقوله:"خيارنا الشرعي والسياسي والاخلاقي هو الخيار الرابع الذي يحقق لنا الهدف والحفاظ على حريتنا واستقلال ارادتنا وعزتنا وكرامتنا ومصالح شعبنا، وذلك لان النظام يدافع عن وجوده في الحكم دون أي رعاية لمصالح شعبنا ، والا لاختار التنحي عن السلطة استجابة لرفض الشعب له في انتفاضة عام(1411هـ) كما ان الولايات المتحدة تعمل من اجل مصالحها واهدافها الخاصة في الهمينة على مقدرات البلاد والاستيلاء على النفط. (16)
الوسطية بين الانتماء الوطني والولاء المذهبي
إنَّ الوسطية التي تميز بها شهيد المحراب(رضوان الله عليه) لا تعني التوسط بين الحق والباطل وبين العدل والظلم بل تعني التعامل مع الاشياء برؤية متوازنة بعيداً عن الافراط او التفريط وهو المعني بالوسطية في الاسلام والوقوف بمسافات واعية من القضايا احترازاً من الوقوع في فخ اللغو او نصب العداء لاهل بيت العصمة(عليهم السلام)
والوسطية التي اتسم بها اداء شهيد المحراب(رضوان الله عليه) تعكس العمق الديني والفكري والتلاقي مع الانتماءات الوطنية.
وثمة شبهة يطلقها بعض الباحثين والمفكرين وهي ان الافتاء المرجعي الديني قد يتقاطع مع الولاء الوطني، وتأتي هذه الشبهات والمغالطات بناءً على افتراضات مطروحة وترتب عليها نتائج دون النظر في صحة هذه الافتراضات او دقتها.
فملخص هذه الشبهة او المغالطة هو ان المرجع لو أفتى بفتوى تتعارض مع التوجه الوطني فان التزام المكلفين بها يعني تقاطعهم مع الانتماء الوطني.. هكذا يطرح هذا الافتراض، وهكذا تكون النتائج المترتبة عليه. وهذا الافتراضيوحي بان هناك تقاطعاً بين الافتاء المرجعي مع الولاء الوطني يحتاج الى توضيحات وتقاشات نجملها بالنقاط التالية:
1- كيف نفترض ان هناك تقاطع بين الافتاء المرجعي والولاء الوطني ثم نرتب نتائج على هذا الافتراض وهذا اول الكلام لاننا نعتقد ان مثل هكذا افتراض يحمل تناقضاته من الداخل
2- مساحة الفتوى تتحرك في آفاق أبعد من الانتماءات الوطنية والقطرية الضيقة فمساحات الدين أوسع من نطاق الاوطان فهي مساحة عالمية تحدد تكاليف الافراد من كل الاوطان، فلا يمكن ان تتعارض الفتاوى مع القوانين والانظمة الوطنية ولو تعارضت ببعض التفاصيل فلا يعني بالضرورة ان تعارض اسس وثوابت وطنية.
3- قبل ان نخوض في هذه التقاطعات المفترضة بين الافتاء الفقهي والانتماء الوطني لابد ان نعرف معايير الوطنية وماهو المقصود بالوطنية والوطن وهل تسلط جماعة على زمام الامور في الوطن على ظهور دبابات في انقلابات يقودها الجنرالات هم من يحدد وطنية الاخرين وهل معارضة الحكام الجائرين والطغاة هو خروجاً عن الوطنية؟
4- الفقيه الذي يستنبط الاحكام الشرعية من ادلتها يفرغ الوسع ويبذل اقصى جهده للوصول الى الحكم عبر توظيف كل قدراته وامكاناته في الاحاطة بالقواعد الفقهية والكليات الاصولية والمقدمات العلمية وهو الذي يدرك المصالح والمفاسد التي تكون احدى ملاكات الحكم فنستبعد تصور ان يكون هناك تقاطعاً بين المنهج المرجعي والانتماء الوطني ولو حصول مثل هذه التقاطعات فرضاً فلسوف لن تكون على مستوى الثوابت والاسس التي تخل بهذا الانتماء والولاء للوطن.
5- ما نلاحظه خلال قراءة سريعة لكل فتاوى المراجع والفقهاء يمنحنا نظرة متبصرة حول حصول العكس بل نجد تعميق الولاء الوطني من خلال الفتاوى التي تراعي مصالح الوطن والمواطنين ولا تؤشر على ما يؤكد هذه الشبهات فان الفقيه يعتقد ان حفظ النظام العام في البلاد من اولوياته وظروف الوطن وخصوصياته ولو صدرت فتاوى توحي بهذه التقاطعات فهي تقاطعات بين الحاكم ومنهجه المنحرف وبين الفتاوي ومنهجه لا يمثل الابعاد والانتماءات الوطنية.
6- سلوك الحاكم ومناهجه وقوانينه قد تتقاطع مع الزامات الشريعة ومفاهيم الاسلام وهذا السلوك لا يعني التقاطع معه تقاطعاً مع الولاء الوطني وقد تنشأ هذه المغالطات من هذه النقطة واعتبار الحاكم هو مظهر من مظاهر الوطنية والخلاف معه يقدح بالانتماء الوطني.
7- المعروف من السياق الافتائي لدى الفقهاء ان حيثيات الوطن ومصالح المواطنين العليا مأخوذة بالحسبان في كل افتاء وقد تكون ظروف كل بلد تختلف عن ظروف الاخر ولذا كانت هناك احكام تتعلق بالموضوع الخارجي او القضية الخارجية كما يقال في اصول الفقيه بمعنى ان الفتوى محصورة في وضع معين ولا تشمل جميع المكلفين.
ليس من الصحيح طرح مثل هذا الافتراض ثم الاجابة عليه بمقدمات غير صحيحة وباسلوب غير علمي ثم نزعم بانه قد يتقاطع الموقف المرجعي مع الولاء الوطني بمجرد طرح مثل هذا الافتراض وهي شبهة لا تتوجه الى المذهب الشيعي بل الى جميع المذاهب والاديان.
وقد تثار شبهة اخرى بنفس السياق السابق وهي ان الهموم المذهبية أكثر من الهموم الرسالية الاسلامية وقد تكون لهذه الظاهرة مصاديق واقعية لا يمكن المكابرة فيها او غض النظر عنها.
يجيب شهيد المحراب(قدس) على هذه الشبهة برؤية معمقة وشاملة ويشير الى نقاط مهمة في اجابته الواعية في حوار أجرته معه مجلة (الثقلين) نجملها ما يلي مع تغيير طفيف وهي:
أ- الموقف من دخول الإنجليز إلى العراق، فالعراق هو البلد الوحيد الذي اجتمع فيه المسلمون جميعاً لمواجهة الغزو البريطاني وقاد هذه المواجهة العلماء المسلمين في العراق. فاصدر علماء النجف الاشرف فتوى الجهاد ضد الإنجليز، ووقفوا إلى جانب الدولة العثمانية لصد هذا الغزو. على أن الدولة العثمانية كانت تتبنى مواقف مذهبية متشددة قمعية تجاه غير أتباع المذهب الحنفي، من أجل فرض هذا المذهب على كل المسلمين بالرغم من ذلك وقف علماء النجف الاشرف هذا الموقف الوحدوي
ب- في ثورة العشرين، نجد أن الشعار المطروح هو إخراج البريطانيين من العراق، دون التفكير في البديل الحاكم، هل سيكون سنيا أم شيعيا. بل إن علماء النجف ذهبوا وجاءوا بحاكم سني من الحجاز.. علماء النجف وشيعة العراق هم الذين قاتلوا، وهم الذين قدموا التضحيات، وهم أصحاب القوة.. ولكن كان همهم الأول الإسلام، ولم يكن لهم هم طائفي مذهبي ولذلك اختاروا حاكما سنيا على شرط أن يحكم بالإسلام، وحينما نقض هذا الحاكم مبادئ الإسلام نهضوا بوجهه بدافع إسلامي أيضاً.
ج- وفي الحرب العالمية الثانية كان للمرجعية موقف معروف في مساندتها للحركة الوطنية الرامية لتحرير العراق من الهيمنة البريطانية، فقد وقف السيد أبو الحسن الأصفهاني إلى جانب الثوار من أجل الإطاحة بالسلطة العميلة للبريطانيين.
د- كان موقف علماء النجف من قضية أكراد العراق وهم من أهل السنة واضح، فقد أصدر العلماء فتوى تحريم سفك دماء الأكراد، وتحريم أي عدوان على أعراضهم بينما وقف علماء السلطة ضد الأكراد. علماء الشيعة وقفوا إلى جانب صيانة دم الأكراد وأعراضهم، بينما وقف علماء السلطة إلى جانب العمليات القمعية ضد الأكراد.
هـ- موقف علماء النجف من قضية فلسطين.فقد واصلوا هذا الموقف في كل مراحل القضية، وأفتوا بجواز إنفاق الأموال والحقوق الشرعية لمناصرة العمل الفدائي ضد الصهاينة. ولا يزال هذا الموقف المبدئي من هذه القضية ومناصرتها قائما حتّى اليوم.
إنَّ مواقف مراجع الدين الشيعة في الوضع العراقي الراهن اثبت الوطنية العالية والاحساس بالمسؤولية الكبرى فلم ينجروا الى مخططات الاخرين بل عكسوا الهم الوطني الاكبر وغض النظر عما لحق باتباعهم لاسباب مذهبية وطائفية وجميع فتاوى وتوصيات المرجعية الدينية في العراق كانت تنصب على البعد الوطني وحفظ النظام العام والمصالح الوطنية العليا وحث الناس بالمشاركة الفاعلة في الانتخابات لكونها الآلية الوحيدة لحل والصراعات على السلطة.
 

 
  اعلى الصفحة