|
مع الحدث
مفاوضات الاستقلال والسيادة
اسامة الموسوي
منذ عدة
أسابيع والمفاوضات السياسية بين حكومتي الولايات المتحدة والعراق
تتواصل في بغداد لوضع اطار للتعاون بين الدولتين ، تواصلاً مع مذكرة
حسن النوايا الموقعة بين الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء
العراقي السيد نوري المالكي.

وفي الأيام الأولى من بدء المفاوضات كان العراق واضحاً إلى أبعد
الحدود، قد جاء موقفه هذا على لسان زعيم الائتلاف العراقي الموحد ورئيس
المجلس الأعلى العراقي سماحة السيد عبد العزيز الحكيم الذي أكد بأن
العراق وقياداته الوطنية وضعوا رفع البند السابع من ميثاق الأمم
المتحدة عن العراق شرطاً ضامناً لتكون المفاوضات متعادلة وندية بين
دولتين مستقلتين ذات سيادة كاملة . فضلاً عن ذلك فأن سماحته قد أفصح عن
موقف حازم وجلي بشأن حفظ سيادة العراق واستقلاله في أية صيغة تعاقدية
مع الجانب الأمريكي ولا تترك ثغرة يتم منها انتهاك دستوره وسيادته في
أي بند من بنودها.
هذا الموقف الثابت و المتمسك بالاستقلال والسيادة غير المنقوصة الذي
عبر عنه سماحة السيد عبد العزيز الحكيم زعيم الائتلاف (أكبر كتلة
برلمانية) ورئيس المجلس الإسلامي العراقي انحازت له معظم القيادات
السياسية والاجتماعية العراقية وأعلنت اتفاقها عليه والتزامها به. وقد
جاء هذا القول الفصل متطابقاً مع طموحات وأماني الشعب العراقي ومرجعيته
الدينية الرشيدة التي يهتدي الجميع برأيها السديد ، والتي أكدت على أن
يتضمن أي اطار للتعاون بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية: الحفاظ
على السيادة، والشفافية، والإجماع الوطني، وتحظى بموافقة مجلس النواب
العراقي.
ولا نقول : إن موقف سماحة السيد عبد العزيز الحكيم هذا كان جديداً أو
شكّل مفاجأة للجانب الأمريكي ، فسماحته وفي معظم لقاءاته مع المسؤولين
والقادة الأمريكيين ، وخصوصاً الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني ووزيري
الخارجية والدفاع الأمريكيين كان يعرض رأيه بصراحة وصدقية عالية وهو:
ان العراق لن يقبل بغير الاستقلال الناجز والسيادة الكاملة، وأن أرضه
لن تكون ممراً للعدوان على أيّ من جيرانه، وأنه يريد للعراق الجديد ان
يكون عنصر إستقرار في المنطقة والعالم . وكان سماحته يوضح للزعماء
الأمريكيين مباشرة بأن العراقيين لا يقبلون بأقل من السيادة والاستقلال
.. ولا تفريط بهما أبداً. وما تسرب من وسائل الإعلام مؤخراً ، وما أدلى
به بعض المسؤولين العراقيين ، فأن الجانب الأمريكي قد طرح سقوفاً عالية
لمطالبه وقد تخلى مؤخرا عن بعضها، فيما يرى المفاوض العراقي مدعوماً من
قياداته الوطنية ، أن تلك المطالب مبالغاً فيها ، وأنها لا تنسجم مع ما
تتعهد به الإدارة الأمريكية من حرص على احترام استقلال وسيادة العراق
.. وكالعادة في أي مفاوضات، فأن كل جانب يرفع سقوف مطالبه ، وبالحوار
وحده يمكن لهذه السقوف أن تنخفض إلى أن تصل إلى مستوى مقبول من
الطرفين، من هنا ينبغي أن لا نخشى أن تكون هناك تقاطعات ما دام الحوار
البناء متصلاً بين الجانبين . فالولايات المتحدة الأمريكية لا تريد أن
تبقى قواتها الموجودة حالياً إلى الأبد، هذا ما تعلن عنه هي لا غيرها
.. والمفاوض العراقي يعرف مقدار الحاجة لعودة تلك القوات لديارها ،
وعلى هذا يتحاور الطرفان للوصول إلى ما يقرّب بينهما في المواقف التي
تبدو متشددة حالياً، ولكنها بدأت تميل إلى القبول بالموقف العراقي.
ولعل الوضوح العراقي والثبات على الموقف الاستقلالي سيجعل من الطرف
الآخر أكثر تفهماً للحالة العراقية، فالولايات المتحدة الأمريكية تريد
صداقة العراق الدائمة، وفي المسودة التفاوضية التي طرحتها، هناك رغبةً
في إدامة واستمرارية العلاقات بين الدولتين.. وكذلك فالعراق هو الآخر
يرغب في تأطير علاقاته بمختلف مجالاتها مع الولايات المتحدة، لأنه
يحتاج إلى هذه الدولة لإعادة بناء ما دمرته الحروب والاستفادة من
الإمكانات العلمية والتكنولوجية الأمريكية للنهوض بالعراق الجديد ،
ويحتاج إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمساعدته في تدريب وتسليح جيشه
ليتكفل بحماية الأمن الداخلي ولصد التهديدات الخارجية.. والتعاون معها
في هذه المجالات مشروطاً ـ عراقياً ـ باحترام استقلاله والحفاظ على
سيادة أرضه ، وعدم جعله طرفاً في أية نزاعات أقليمية أو دولية. ونعتقد
بأن زعامة العراق الوطنية الحكيمة مدعومة من المرجعية الدينية كفيلة
باستخلاص حقوق العراق، فغالباً ما كان الطرف الأضعف مادياً يفرض شروطه
على الطرف الأقوى إذا ما أحسن مفاوضه استعمال الأوراق التي في يده ،
وتلك حكمة وعظمة الشعوب وحنكة قياداتها، وبراعة مفاوضيها . وقبل ذلك
قوة حجتها ومؤازرة شعبها ووحدة قواها السياسية. |