|
الشهيد المجاهد
فاضل عباس رسن الساعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
وأشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم
بالحق وهم لايظلمون (الاية 69 سورة الزمر)
اعداد/ تراث الشهداء
عندما تينع الثمار.. تحن إلى القطاف لتمتلئ بها السلال، وعندما ترتدي
السنابل ثيابها الذهبية.. تشتاق المناجل في موسم الحصاد..وعندما يتسلق
المرء قمة العظمة وسنام المجد، يعانق الشهادة. الشهداء واجهوا أقدارهم
لكن بشجاعة وهل هناك أسمى من أن يواجه المرء قدره بشجاعة؟.
الشهيد (فاضل عباس رسن الساعدي ) أحد أولئك الذين كتبوا تأريخهم
بدمائهم لا بدماء الآخرين كما يفعل الجلادون..
ولد
الشهيد في عام 1961م بمدينة كربلاء المقدسة، مدرسة الشهادة ومعقل
الثورة الحسينية، فنبت لحمه من تربتها المروية بدم الحسين (ع) ودماء
أهل بيته وأصحابه المجاهدين. فكانت كربلاء الخالدة تمر بذاكرة الشهيد
كلَّ يومٍ عدة مراتٍ ليستلهم منها دروس التضحية والفداء من أجل إحقاق
الحق. وأكمل هناك دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، وكان في
جميع مراحل دراسته متفوقا، لأنه كان مثابرا ويتقد ذكاء. كانت السنوات
التي قضاها في مرحلتي المتوسطة والإعدادية، حافلة بالنشاطات والحركة
فهو يلقي المحاضرات على إخوته الطلبة، ويحاول فيها تسليط الضوء على
الإسلام وخصوصا الجانب السياسي منه، وكان يستهزئ باولئك الذين يفصلون
الدين عن السياسة ويقول: "إن الإسلام كله سياسة. أما الأعمال التي كان
يقوم بها الشهيد لتحرير الثقافة الإسلامية ومحاربة الثقافة الطاغوتية
المسمومة فهي توزيع المطبوعات وأشرطة الكاسيت التي تحتوي على المحاضرات
التي تتناول الإسلام وبرامجه ومناهجه الثورية.
ومن اهتمامات شهيدنا المشاركة في الشعائر الحسينية الثورية كالمجالس
والمواكب وغيرها.. وكان يشبه المنبر الحسيني بالجامعة المتنقلة..
ويقول: وان المجالس الحسينية مراكز إشعاع ومنطلقات حضارة، لهذا فهو
دائم الحضور والمشاركة فيها، وجاءه الحكم الصدامي بمنعه و محاربته
الإسلام وترويجه الإلحاد إذ منع حتى صوت الأذان من الإذاعة، كما منع
إقامة الشعائر الحسينية الثائرة التي تسري في عروق المجاهدين
لهذا فإن شهيدنا قالها وبملء فمه: لا.. للبعث.
وشرع بمحاربة حزب البعث وتعريته أمام الأمة، فكان يفضح كل أساليبه
وألاعيبه، أينما حل، في البيت.. في الشارع.. في المدرسة.. في المقهى
(وان كان قليلا ما يرتاد المقهى، لأنه كرس كل أوقاته لخدمة الإسلام
والمستضعفين).
وبعد ما أكمل المرحلة الإعدادية في كربلاء وتخرج منها عام (1970 ـ
1971) التحق بجامعة البصرة.
وان الحجج والذرائع التي يتذرع بها الطلبة الجامعيون للتقوقع والانزواء
والابتعاد عن معترك الحياة السياسية فكانوا يقولون مثلا: الجامعة مرحلة
دراسية صعبة للغاية وحاسمة، ولأنه عندما قبل في الجامعة استفاد من
مناخها، وكونها تضم طلبة يمثلون جميع شرائح المجتمع وطبقاته، لهذا نراه
يضاعف نشاطاته ويكثف جهوده وطاقاته باتجاه أهدافه الرسالية.. فمثلا
يستغل وجود الطلبة في النادي أو المطعم ليفتح معهم الحوار حول الإسلام،
ويناقشهم قضايا الساعة والمسائل المطروحة على الساحة، ولأن حواره
ونقاشه كان يتسم بالمنطقية والهدوء وعدم خدش مشاعر الآخرين لتجسيده
معنى الآية الكريمة (...وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...)
[النحل : 125] فإنه كثيرا ما كان يأسر أفئدة محاوريه ويغير آراءهم
مصححا وموجها نحو الحقيقة.
ولكن (الاتحاد الوطني لطلبة العراق) ذلك السيف الذي شهرته زمر حزب
البعث الصدامي على رقاب الطلبة وأرغمهم بالترهيب والترغيب على الانتماء
إليه، لم يقف مكتوف الأيدي إزاء ما كان يمارسه الشهيد من نشاطات
إسلامية، لهذا نجده يضغط على الشهيد نفسيا وماديا ويشرع بمحاربته
ومضايقته عبر التقارير التي كان يرفعها أعضاؤه عن الشهيد ونشاطاته، وقد
أرسلوا بطلبه عدة مرات بمكتب الاتحاد وهددوه بالطرد من الجامعة ظنا
منهم بأن ذلك سيزرع في نفسه بذور الخوف ويضع في طريقه حواجز الرهبة..
ولكن الشهيد بإيمانه وصلابته وصموده تحدى الخوف وحطم حواجز الرهبة، ولم
يكن ليؤثر فيه التهديد بالطرد من الجامعة، لأنه نذر نفسه لخدمة أهدافه
الإسلامية، فالجامعة في نظره ليست وسيلة لنيل شهادة البكالوريوس، بل
وسيلة لخدمة تلك الأهداف.
وهكذا وقف مرفوع الرأس متحديا ذلك الاتحاد الطلابي المشبوه بكل جبروته
وتهديده ووعيده، مستمرا في حمل رسالته، رسالة المستضعفين، إلى أن أكمل
الجامعة وتخرج فيها عام 1976م.
في الأيام التي تلت التخرج في الجامعة، كانت تجتذب الشهيد فكرتان:
الأولى أن يلجأ إلى الوظيفة والتعيين في دوائر ومؤسسات الدولة، إما
الثانية فهي العمل في القطاع الخاص، ولكن الشهيد لم يكن أرجوحة يجتذبها
الشياطين من جهة والملائكة من جهة أخرى، لأنه وضع نصب عينه أهدافه
الرسالية ومستلزمات تحقيقها، لهذا قرر العمل في القطاع الخاص، وذلك في
محل لبيع الأقمشة، لعلمه بأن المناخ الوظيفي لا يساعد على امتصاص
طاقاته وتفجيرها.
لأن حزب البعث كان قد بث عيونه ومد أياديه الخبيثة في جميع دوائر
الدولة ومؤسساتها، ولا هم له إلا إحصاء أنفاس الموظفين المستقلين
ومحاربتهم في رزقهم بعدم منحهم العلاوات السنوية أو تأخيرها على أقل
تقدير وهي حرب نفسية لا هوادة ولا رحمة فيها.. في حين إن العمل في
القطاع الخاص يعطي مرونة في الحركة ويفسح مجالا واسعا رحبا للعمل من
أجل الإسلام وخدمة الرسالة السمحاء.
وهكذا استمر شهيدنا رافعا راية الجهاد من أجل أعلاء كلمة الله سبحانه
ودحض كلمة الشيطان المتمثل بحزب البعث.
وعندما أشرقت شمس الجمهورية الإسلامية في أفق إيران ارتبك اللصوص
القابعون في القصر الجمهوري ببغداد وأصيبوا بالهستريا وشرعوا بمحاربة
الطلائع الرسالية المؤمنة والتنكيل بها وملاحقتها تحت كل حجر ومدر. لم
يكن الشهيد بمنأى عن هذه الحملة المسعورة، بل كان في صدر قائمة
المطلوبين للزمر البعثية. فألقي عليه القبض من قبل الأمن العراقي في
شهر تشرين الثاني 1978، واتهموه بممارسة النشاط الرجعي، لأن كل ما هو
إسلامي وإنساني، هو رجعي في نظر تلك الزمر. وقد مارسوا ضد الشهيد كل
أشكال التعذيب في أقبية وغرف الشعبة الخامسة المختصة، حتى أطل اليوم
المشؤوم الذي نصب فيه صدام نفسه رئيسا للجمهورية بعد أن أزيح البكر عن
كرسي الرئاسة بانقلاب صامت ويغلفه المكر والخديعة.
وبهذه المناسبة ولكي يظهر الرئيس الجديد أمام الجماهير المستضعفة بثياب
الديموقراطية، وحتى يكسب رصيدا شعبيا، كان ومازال يفتقر إليه.. فقد
أصدر قرارا بالعفو العام عن جميع المعتقلين، ولكن الأيام التي تلت
القرار أثبتت انه كان صوريا، وان الرئيس الجديد ما أصدره إلا ليتاجر به
في سوق السياسة الملتوية التي ينتهجها..
وكان شهيدنا من أولئك الذين شملهم القرار الصوري فأطلق سراحه ولكن
بكفالة مالية وتعهد شخصي بعدم ممارسة أي نشاط إسلامي. ولكي تبقى سفينة
الجهاد تمخر عباب بحر الطاغوت باتجاه ميناء الشهادة فإن شهيدنا سافر
إلى الجمهورية الإسلامية في إيران بعدما أطلق سراحه ليحارب من هناك من
أرض الهجرة، فمنذ إن وطأت أقدامه ارض الهجرة أعلن أمام الجميع أن
الشهادة هي غايته التي يسعى أليها فاشترك بعدة عمليات جهادية حيث توج
بالشهادة ليواجه قدره، وليختار الموت وقوفا، تلك الميتة التي طالما
عشقها إلا وهي الشهادة، فاستشهد بتاريخ 17 / 12 / 1978. |