اتصل بنا

  فضاءات ثقافية   ابعاد   قضايا عراقية   الافتتاحية  

الصفحة الرئيسية


 

انتخابات مجالس المحافظات
 والتأسيس لمنهج الإدارة اللامركزية وتطويرها في العراق

- كفل الدستور العراقي الدائم لسنة 2005 النظام الإداري اللامركزي، كما كفل إدارة المحافظات التي لم تنتظم في اقليم.

صادق الرصافي/ باحث اعلامي
بعد سقوط النظام الصدامي البائد في التاسع من نيسان من العام 2003م ، لم يكن في الواقع سقوطاً لهذا النظام الديكتاتوري البشع، بل سقوطاً وزوالاً لتجربة الحكم الشمولي الاستبدادي والذي عانى منه العراقيون طيلة اثنين وثمانين عاماً من هذا الحكم الذي كان خالياً من أي ممارسات أو تجارب ديموقراطية حقيقية تقوم على مبادئ التعددية، والشراكة الحقيقية، والفاعلة في الحكم، والمساواة بين جميع طوائف وقوميات الشعب العراقي، بل على العكس من ذلك فأن هذه الأنظمة الاستبدادية، قد تبنت أساليباً ممنهجة تقوم على أساس العنف والإقصاء لأهم وأكبر قوميات وطوائف الشعب العراقي، وحصر السلطة بيد فئة معينة تنتمي إلى طائفة محددة قامت بتقلد جميع مناصب الإدارة والسلطة في البلاد، مما أوجد ومنذ بداية تأسيس هذا الحكم خللاً فادحاً وأثراً سلبياً ظل يتفاقم ويتراكم. وعلى الرغم من أن قسماً من هذه الأنظمة وخاصة في بداية تأسيس هذا الحكم قد رفع شعارات ديمقراطية وليبرالية إلا أن المواطن العراقي لم يجد أي أثر فاعل لهذه الشعارات التي بقيت مجرد حبر على ورق في الوقت الذي أخذ فيه الحكم يسير بخطوات متصاعدة ومتسارعة نحو خنادق طائفية كرست عزلة هذه الأنظمة وتبنيها لأجندات طائفية وسياسية ضيقة لم تخدم الشعب العراقي أو تغير من واقعها السياسي والاجتماعي ومما فاقم الأزمة وعمل على مضاعفتها وصول فئات مشبوهة إلى السلطة كان آخرها عصابة البعث الإجرامية عبر انقلاب تموز في العام 1968، والذي عرف لاحقاً بأنه من تدبير أجهزة مخابرات أجنبية عملت على التنسيق مع هذه العصابة من أجل تأمين مصالحها في العراق والإيعاز لها بضرب الخطوط الإسلامية والوطنية في البلاد والتي كانت ترى فيها خطراً عليها، فضلاً عن نتائجها الكارثية على البلاد عندما قادت هذه العصابة الإجرامية حرب إبادة شاملة بحق مكونات الشعب العراقي حيث أرتبط اسمها بمجازر الأنفال، وحلبجة، والاهوار ومدن البصرة، والعمارة، والنجف، وكربلاء، وغيرها من مدن العراق، بالإضافة إلى الحروب المدمرة التي تسببت بإشعال فتيلها هذه العصابة الحاكمة في المنطقة وذلك عندما قام الطاغية المقبور الذي يعتبر أحد الإفرازات السيئة لهذه العصابة الحاكمة بشن حربين عدوانيتين ضد كل من إيران والكويت في الأعوام(1980 ـ 1988) وفي العام (1990 ـ 1991) والتي كانت أضرارها ونتائجها الكارثية على الشعب العراقي فضلاً عن شعوب المنطقة.


هذا الإخفاق والفشل الواضح من قبل الأنظمة الملكية والجمهورية في إدارة الحكم في العراق بسبب البناء المشوه والخاطئ للدولة في العراق عقب تأسيسها في العام 1921، حيث أخفقت هذه الأنظمة بجميع مراحلها في قيام نظام ديموقراطي تعددي يقوم على أسس المواطنة والديموقراطية والتنمية ويعمل على المحافظة على العراق ككيان سياسي له سيادته، واستقلاله، وهويته الوطنية؛ وفق الخصوصية الوطنية والسلم الاقليمي، حيث كانت هذه التجارب تتمحور حول سلطة مطلقة تخاصم المواطن، وتشكك في هوياته وانتماءاته وتستعيد نماذجاً تأريخية مشوهة ومزيفة في علاقتها بمواطنيها وتوزع بسخاء اتهامات التشكيك والطعن في أصولهم العربية والعراقية.
وأمام إخفاق هذه التجربة الشمولية في الحكم كان لابد من إيجاد البدائل المناسبة التي تتجاوز أخطاء الماضي، وتتناغم مع مصالح الشعب العراقي، وتطمح إلى تطوره، وتقدمه، وتنميتهالاسيما بعد التغيير السياسي في 9/ 4/ 2003. حيث تم إقرار قانون مجالس المحافظات مؤخراً من قبل مجلس النواب، إذ مثل صفحة جديدة في تأريخ العراق وخطوة جادة أخرى نحو تثبيت المشهد السياسي العراقي، وتمتين أواصره وتقويتها من خلال تبني وطرح المشاريع الديموقراطية، والتنموية التي تساهم في إعادة إعمار العراق، وإكمال عملية بناء مؤسساته وهياكله العامة، في ضمن إطار القانون. لقد كفل الدستور العراقي لسنة 2005 النظام الإداري اللامركزي، كما كفل إدارة المحافظات التي لم تنتظم في اقليم من قبل مجالس المحافظات وهي مجالس محلية، إذ بين الدستور بأن جمهورية العراق تتكون من عاصمة وأقاليم ومحافظات لامركزية، وإدارات محلية، كما منحت المادة 119 من الدستور كل محافظة أو أكثر حق تكوين اقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه يقدم أما بطلب من ثلث الأعضاء في مجلس المحافظة، أو بناءً على طلب عشرة في المائة من الناخبين في كل محافظة، فيما أشارت المادة 122 من الدستور إلى أن المحافظة تتكون من أقضية، ونواح، وقرى، وأن المحافظات التي لم تنتظم باقليم تمنح الصلاحيات الإدارية والمالية الواسعة بما يمكنها من إدارة شؤونها على وفق مبدأ اللامركزية، ويعد المحافظ الذي ينتخبه مجلس المحافظة الرئيس التنفيذي الأعلى في المحافظة لممارسة صلاحياته المخول بها من قبل مجلس المحافظة وينظم بقانون انتخاب مجلس المحافظة وصلاحياته وأن مجلس المحافظة لا يخضع لسيطرة، أو إشراف أية وزارة، أو أي جهة غير مرتبطة بوزارة، وله مالية مستقلة. إن إقرار قانون مجالس المحافظات أو ما يعرف بالمحافظات غير المنتظمة باقليم وتحديد اليوم الأول من شهر تشرين الأول القادم من هذا العام موعداً للبدء بالانتخابات لاختيار أعضاء مجالس المحافظات المؤهلين والكفوئين للنهوض بمهام هذه المجالس، والتي تمثل وجهاً جديداً للعراق من خلال إتباع الأساليب الأكثر مرونة وملائمة لإدارة المحافظات في العراق والعمل على نجاح هذه التجربة التي لها مزاياها الايجابية الواضحة والتي من أبرزها ان هذه المجالس تؤدي إلى تحسين الأداء الإداري من خلال تحديد حاجات المحافظة بدقة باعتبار أن أعضاء مجلس المحافظة الذين يتولون الإدارة هم من ابناء المحافظة نفسها ويملكون معلومات وتصورات دقيقة عن احتياجاتها، كذلك فأن أعضاء مجلس المحافظة المنتخبين بوفق معايير الكفاءة والنزاهة المهنية يمكن أن يشرفوا على إدارة وتنفيذ المشاريع في المحافظات بصورة تخدم أبناء المحافظة بدرجة أكبر منها في حالة انتخاب أشخاص غير كفوئين في مثل هذه المناصب، بالإضافة إلى أن المجالس المنتخبة لها الجرأة في العمل أكثر من الموظفين في النظام المركزي والسبب في ذلك ناتج عن خوف الأعضاء من الفشل العلني أمام أبناء محافظاتهم والتوقع للنجاح أمامهم لكسب الرضا والقبول والتأييد مستقبلاً.
إن الغرض من إقرار مجالس المحافظات، واختيار أعضائها عن طريق الانتخاب هو إشراك الجماهير وأبناء الشعب في اختيار ممثليها لتقديم الخدمات والتنمية عن طريق الاعتماد على الذات من منطلق المسؤولية الاجتماعية في بناء الأمة وتكامل البناء الاقتصادي وتحقيقاً للوحدة الوطنية، فضلاً عن نهوض هذه المجالس بعمليات الأعمار والبناء والتنمية في هذه المناطق من خلال الصلاحيات الممنوحة لهذه المجالس بحسب قانون المحافظات الذي تم أقراره من قبل البرلمان والذي نص على: (أن يقوم مجلس المحافظة بالإشراف على إدارة المحافظة، حيث يشمل الإشراف على إنشاء المشاريع، وتمويلها، وكذلك الإشراف على التخطيط الحضري للمحافظة، والنواحي، واقرار الموازنة العامة للمحافظة، وقيام مجلس المحافظة بتعيين المحافظ لإدارة المحافظة وتخويله بعض صلاحياته التي تتضمن قيام المحافظ بترشيح الموظفين الذين يساعدونه في إدارة المحافظة، وكذلك القيام بإعداد الميزانية السنوية للمحافظة، وعرضها على مجلس المحافظة؛ لإقرارها قبل ستين يوماً على الأقل من بداية السنة المالية الجديدة ولا تعتمد الميزانية قبل إقرارها من قبل مجلس المحافظة.
كما نص القانون أيضاً على أنه يحق لمجلس المحافظة إعفاء المحافظ باقتراح من ربع الأعضاء وموافقة ثلثي أعضاء المجلس على أن يتم استبداله. وبالنسبة إلى عملية الأعمار فقد حدد القانون بأنه يمكن اقتراح المشاريع التي يناقشها مجلس المحافظة من قبل ثلاثة من الأعضاء، أو بطلب من قبل مجلس المحافظة، أو مجلس الحكم المحلي، أو السلطة التنفيذية المركزية، وينظم ذلك بقانون.
أن قانون مجالس المحافظات الذي تم أقراره من قبل البرلمان بصيغته الحالية مثل خطوة عملية لتجسيد مفهوم الإدارة اللامركزية وتطبيقه بوفق استحقاقه وموعده المحدد له، حيث تمّ الشُروُع بالإعداد لاتخاذ الخطوات العملية اللازمة إذ أكملت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عملية سد الشواغر في مكاتبها وفروعها وأنهت الإجراءات الإدارية لتسجيل القوائم الانتخابية، وتسجيل المرشحين، وفتح أبواب الترشيح، في وقت ما زال هناك تردد من قبل الكتل السياسية في البرلمان بين خياري اعتماد نظام القوائم المغلقة الذي تم العمل به في السابق والذي أفرز بعض السلبيات وهو أمر مألوف وشائع نظراً لحداثة التجربة، وبين اعتماد نظام القوائم المفتوحة كونه الخيار الأقرب إلى مطالب الشارع العراقي، والكتل السياسية كافية من عوامل قوة بارزة، حيث أنه يتلافى الأخطاء السابقة، ولكن هذا النظام له سلبياته هي الأخرى من خلال أمكانية قيام المرشحين بالاعتماد على تكتلاتهم، وقراباتهم العشائرية، من أجل الحصول على الأصوات، فضلاً عن أن الناخب العراقي لا يملك الخبرة الكافية للتمييز بين المرشحين من خلال ما يطرحونه من برامج انتخابية لا تبدو متوفرة في الوقت الحاضر، لكن اعتماد نظام (الدائرة ـ المحافظة)، يجعل من عملية الانتخاب أكثر مرونة ويحد من إمكانية تعرضها للتزوير من خلال الإحصاء الدقيق لأصوات الناخبين، وهذه الخطوات التي تم اعتمادها في اجراء انتخابات مجالس المحافظات تمهد للنجاح في الدخول إلى هذه التجربة التي ستشكل البداية الفاعلة والصحيحة لتطبيق نظام الإدارة اللامركزية في العراق بعد تبنيها، حيث عانى العراقيون في السابق كثيراً من نظامه الإداري، ففي أيام الدولة العثمانية كانت البلاد مقسمة إلى ثلاث ولايات، وكان الوالي على رأس الجهاز الإداري، وكان إلى جانبه ديوان الولاية وهو الهيئة الحكومية العليا في الولاية، وكان الوالي يختار أعضاء هذا الديوان لم يكن سوى هيئة استشارية فقط، وقد أعلنت الدولة العثمانية لاحقاً عن أجراء إصلاحات في تشريع سُمي(كولخانة) سنة 1839، والخط (الهمايوني) سنة 1856 غير أن كُلّ الإصلاحات كانت على أساس حصر السلطات الإدارية بيد الحكومة المركزية وفي العام 1869 تولى والي بغداد مدحت باشا إنشاء التشكيلات الإدارية الحديثة، واستحدث منصب المتصرف، أو المحافظ والقائمقام ومدير الناحية، وإنشاء مجلس لكل ولاية، وبعد احتلال بريطانيا للعراق عقب الحرب العالمية الأولى إتجه الانكليز إلى تأسيس نظام إداري تكون فيه السلطة للمندوب السامي البريطاني ومعاونيه بمشاركة عراقية محدودة في بعض الوظائف القانونية، ولكن نظام الإدارة تطور لاحقاً عقب تأسيس الحكم الوطني، حيث تم إنشاء عشرة ألوية، ثم توالت عملية إصدار القوانين الخاصة بتنظيم عمل المحافظين، والمجالس الإدارية الأخرى . وعلى الرغم من أن ظاهر هذه القوانين، الإدارة اللامركزية إلا ان الصلاحيات بقيت تتجه وتميل نحو إقرار المركزية حيث تم منح رئيس الجمهورية صلاحية تعيين المحافظين وإقالتهم، حيث اعتبرت هذه القوانين، المحافظ يمثل الحكومة المركزية، وهو رئيس الوحدة الإدارية ويشرف على تنفيذ سياسة الدولة، وبعد انهيار النظام الصدامي البائد في 9 /4 /2003م صدرت عدة تشريعات تتعلق بالإدارة المحلية منها قانون إدارة الدولة الانتقالي، حيث نصت المادة(14) منه على (أن نظام الحكم في العراق يقوم على تقاسم السلطات بين الحكومة الاتحادية، والاقاليم، والمحافظات، والبلديات، والإدارات المحلية)، وأجازت المادة (53) منه للمحافظات حق تشكيل أقاليم فيما بينها وأعطت المادة(55) الحق لكل محافظة بتشكيل مجلس للمحافظة، ومجالس بلدية، وتسمية المحافظ، ومنع الحكومة المركزية من إقالة المحافظ وأعضاء مجالس المحافظة، وفي 6/ 4/ 2004م صدر أمر (تشريع) سلطة الائتلاف المؤقتة الخاص بالسلطات المحلية رقم(71) لسنة 2004م وورد في مقدمة هذا القانون ان نظام الحكم تعددي اتحادي فدرالي وأن السلطات تتوزع بين الحكومة الاتحادية، والحكومة الاقليمية، والمحافظات، والبلديات، والإدارات المحلية، ولكل محافظة تشكيل مجلس محافظة وأن التنظيم يقوم على مبدأ اللامركزية. إن انتخابات مجالس المحافظات تمثل منهجاً ديموقراطياً يعكس اشراقات التجربة وتجذرها في الواقع السياسي ويفتح الآفاق نحو الشروع بإقامة تأسيس منهج الإدارة اللامركزية في البلاد والتي تمثل في الواقع استجابة واقعية لمتطلبات الواقع السياسي الجديد في العراق وحاجته الماسة لوجود منهج إداري يتسم بالفاعلية، والكفاءة، ويلبي احتياجات أهالي المحافظات، ويتيح لسلطاتها إمكانية إقامة المشاريع العمرانية فيها بالشكل الذي يخدم أهالي المحافظات وأبناءها ويعمل على تطويرها وتنميتها.

 

 
  اعلى الصفحة