|
ظاهرة الإرهاب في العراق..
أسباب الضعف وعوامل والانحسار
-الهجمات الارهابية المبكرة التي
حصلت في مناطق عراقية متعددة حملت بصمة عناصر حزب البعث المنحل
المتحالفة مع مجموعات ذات طبيعة شبيهة بـ(المافيا).
- لاشك أن الاطاحة بنظام صدام،
وبالطريقة التي تمت، وما ترتب عليها من حقائق ومعطيات على الارض، مثل
الارضية المناسبة الى حد كبير لظهور-ولانقول لنشوء-ظاهرة الارهاب،
(العنف في العراق). عادل
الجبوري/ باحث اعلامي
لا يمكن تناول العوامل المؤدية إلى انحسار ظاهرة العنف والإرهاب وضعف وتشظي
وتفكك الجماعات الإرهابية على اختلاف أسمائها ومسمياتها وتوجهاتها
الايديولوجية وبناها التنظيمية، ومناهجها وبرامجها السياسية في العراق،
بمعزل عن العوامل والظروف التي ساهمت بدرجات متفاوتة في نشوء وتنامي
تلك الظاهرة في العراق بعد الإطاحة بنظام صدام في التاسع من شهر
نيسان-ابريل من عام 2003م.
بعبارة أخرى يمكن القول إن البحث في تداعيات ومسارات ظاهرة الإرهاب
بإطارها العام والشامل، يستدعي التوقف أولا عند العوامل المحركة
والموجهة والمساعدة في نشوء الظاهرة وتناميها؛ لانه من دون ذلك يكون من
الصعب بمكان الوقوف على أسباب وعوامل وظروف انحسارها، ولانقول اختفائها
واضمحلالها؛ لان الإرهاب يمثل ظاهرة عالمية تمتد جذورها الى فترات
زمنية بعيدة الى حد ما، ولكن طبيعة التحولات والمتغيرات السياسية التي
اجتاحت العالم خلال العقدين الماضيين أدت إلى أن تتوسع الظاهرة وتتنامى
وتتخذ أشكالاً وصوراً مختلفة.
وربما لم يكن يدور في خلد الكثيرين سواء من الساسة أم من عامة الناس ان
يكون المشهد العام في العراق بعد الاطاحة بنظام صدام مأساوياً ودموياً
بالصورة التي شهدناها، والتي ارتسمت معالمها وملامحها والوانها وخطوطها
واضحة وجلية بالتتابع بعد التاسع من نيسان-ابريل من عام 2003م.

صحيح كان هناك تصور وقرءاة استشرافية لدى البعض بأن العراق قد يشهد
أوضاعاً سياسية غير طبيعية بعد سقوط نظام صدام-أيا كانت الطريقة التي
سيسقط بها ، بيد ان العوامل والعناصر التي شغلت حيزاً في المشهد العام
لم تكن معظمها موضوعة في الحسبان، لذلك فأن قراءة الواقع الجديد
واستجلاء مكنوناته بدت عملية معقدة وعسيرة وغاية في الصعوبة، ومازاد في
درجة تعقيدها هو أن تفاعلات المشهد العام في العراق كانت تحتدم وترتفع
حدتها سياسياً وأمنياً وحياتياً، وكانت تتجه في بعض الاحيان الى
منزلقات خطيرة.
كل ذلك ارتبط أو تمحور حول مفردتين، هما الامن والارهاب(العنف) بحيث
بات كل شيء محكوما بمساراتهما وسياقاتهما.
ولاشك أن الاطاحة بنظام صدام، وبالطريقة التي تمت ، وما ترتب عليها من
حقائق ومعطيات على الارض، مثل الارضية المناسبة الى حد كبير
لظهور-ولانقول لنشوء-ظاهرة الارهاب، (العنف في العراق).
وهنا استخدمنا مفردة "ظهور" وليس "نشوء" ظاهرة الارهاب، لسبب جوهري
وواقعي، يتمثل في أن نظام حزب البعث العفلقي أسس لايجاد ظاهرة الارهاب
والعنف في العراق منذ انقلاب السابع عشر من تموز عام 1968، بل وقبل ذلك
الوقت، حينما نجح في الوصول الى السلطة في عام 1963، بأدوات السلطة
وموارد البلاد،وببعض أبنائها وبدعم واسناد لاحدود له من قبل أطراف
عربية ودولية مختلفة.
ولعل الأساليب الدموية في تصفية المعارضين للسلطة، والحروب الداخلية
والخارجية، وعمليات التهجير والنزوح القسري على مستويات ومُدَدٌ
مختلفة، والمقابر الجماعية، والاعداد الهائلة في المعتقلات السرية
والعلنية، وقمع الحريات بمختلف أشكالها وعناوينها وصورها، مثلت جميعها
مصاديقاً واقعية وحقيقية لظاهرة الإرهاب والعنف الدموي في العراق،
والتي بحث جذورها وخلفياتها التأريخية البعيدة الباحث والسياسي العراقي
باقر ياسين بعمق وتفصيل في كتابه القيم "تأريخ العنف الدموي في
العراق".
وكان لابد لذلك النظام أن يوجد الادوات والمنظومات القادرة والمتمكنة
حرفياً وفنياً على ترجمة ما هو مطلوب على أرض الواقع، وهكذا فأن أجهزة
المخابرات والاستخبارات، والأمن العام والأمن الخاص، والأمن الداخلي،
ومكافحة الاجرام، والانضباط العسكري، وفدائيي صدام، وغيرها الكثير مما
لم يكن معروفاً ومتداولاً لدى عموم الناس، مثلت الأدوات والمنظومات
الضاربة التي ازدادت أعدادها وتوسعت بُناها وهياكلها التنظيمية ومهامها
ووظائفها، وتنامت قدراتها ومهاراتها الدموية والاجرامية، حتى وصلت في
نهاية المطاف الى مستوى عالٍ من الحرفية.
هذه العناوين التي حظي أفرادها بإمتيازات مالية ومهنية مغرية ونفوذ
وسطوة كبيرة للغاية، وجدت نفسها بين ليلة وضحاها مكشوفة في العراء بعد
أن فقدت كل شيء، وباتت مطاردة ومطلوبة من ضحاياها الملايين، ولم يكن
أمامها من خيار سوى الاستسلام والتسليم، أو البقاء على نفس المنهج
والعمل في ظل ظروف مختلفة، والبحث عن مصادر للدعم والاسناد والتمويل،
وكان الخيار الثاني هو الأفضل للقسم الأكبر من أفرادها، لتكون واحدة من
أبرز أدوات الإرهاب والعنف بنسخته الجديدة في العراق.
وفي ذلك يقول الباحث الدكتور (زهير المخ) في دراسة له تحت عنوان (آليات
الارهاب في العراق)، "إن الهجمات الارهابية المبكرة التي حصلت في مناطق
عراقية متعددة حملت بصمة عناصر حزب البعث المنحل المتحالفة مع مجموعات
ذات طبيعة شبيهة بـ(المافيا)، ترعرعت في كنف النظام المخلوع، أما
برنامجها الوحيد فهو الانتقام الحرفي من كل العراق، وبالتالي فأن معظم
الهجمات التي قامت بها هذه العناصر استخدمت فيها المتفجرات والاسلحة
التي نهبت من المخازن الخاصة بالجيش العراقي المسرح.
ولان معادلات الحكم في العراق بعد الاطاحة بنظام صدام قد تبدلت، او
بتعبير آخر لم يكن لها إلا أن تتبدل بالكامل مرتكزة على مفردات ومفاهيم
غير مألوفة ولا مقبولة في الواقع السياسي والفكري العربي، كالتداول
السلمي للسلطة، والانتخابات، لذلك فأن ظهور تجربة ديموقراطية متميزة في
العراق من الطبيعي أن يشكل تهديداً كبيراً للأنظمة السياسية العربية
التقليدية والمحافظة التي تقوم على أساس مبدأ التوارث العائلي في تداول
السلطة، أو في أفضل الأحوال مبدأ الانقلابات العسكرية والمؤامرات، إذ
إن رياح التغيير الديموقراطي في العراق يمكن أن تهب عاجلاً أم آجلاً
على قصور الحكم في عواصم عربية عديدة، وبالفعل فقد رأينا انه بعد
الانتخابات البرلمانية الاولى في العراق مطلع عام 2005 ذهبت بعض
التيارات السياسية العربية في أكثر من بلد عربي تتساءل بإستنكار "لماذا
تجري في العراق انتخابات حقيقية بينما لايحصل نفس الشيء عندنا؟".
هذا من جانب، ومن جانب آخر فأن التداول السلمي للسلطة في العراق عبر
مبدأ وآلية الانتخابات يعني فيما يعنيه حصول الاغلبية من أبناء الطائفة
الشيعية على حقوقهم المدنية والسياسية بما يتناسب وينسجم مع حجمهم
وثقلهم، ويضع حداً لحالة الاقصاء والتهميش والتغييب الممتدة لثمانية
عقود من الزمن، أي منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عام 1921م
وحتى الاطاحة بنظام صدام في عام 2003م ، وبدا واضحاً منذ وقت مبكر ان
معظم الأنظمة السياسية العربية متوجسة الى حد كبير وقلقة من معادلات
الحكم الجديدة، والأمر الذي دفعها إلى أنْ تتبنى مواقفاً سياسية مضادة
للعملية السياسية في العراق، متذرعة بأنها ضد احتلال هذا البلد وسلب
سيادته واستقلاله، فهي عارضت مجلس الحكم الانتقالي، ومجمل الخطوات
الأخرى في العملية السياسية، ولم تبادر الى اعادة فتح سفاراتها
وبعثاتها الدبلوماسية في بغداد وارسال سفرائها الى العراق، وبدلا من
ذلك كله راحت تجند وتعبئ الارهابيين بأساليب وسبل مختلفة، وتوفر لهم
الامكانات والمستلزمات المطلوبة للوصول الى العراق وتنفيذ العمليات
الارهابية ضد المدنيين الأبرياء والساسة ورجال الدين والنخب الأكاديمية
والعلمية، واستهداف البنى التحتية والمنشات الحيوية، كشبكات نقل الطاقة
الكهربائية ومحطات المياه والوقود والاسواق والمدارس والجامعات
والمستشفيات ومراكز الشرطة وغيرها، كل ذلك تحت يافطة ( مواجهة الاحتلال
الصليبي والصهيوني والدفاع عن الاسلام والمسلمين)، متداخلا معه تكفير
الشيعة باعتبارهم روافض، والسنة بإعتبارهم مرتدين بالنسبة لغير
المتعاونين منهم مع الجماعات الارهابية القادمة من وراء الحدود،
والأكراد باعتبارهم خونة.
وقد أوجدت الجماعات الارهابية القادمة من وراء الحدود نوعاً جديداً من
السلوك الارهابي الدموي لم يكن معروفا في العراق ألا وهو العمليات
الانتحارية، التي جعلت المشهد أكثر دموية واشد رعباً، ومثلما يشير
الباحث (زهير المخ) بقوله "تتعقد اللوحة العراقية أكثر فأكثر مع بروز
نوع آخر من الإرهاب الذي ظلت البلاد تشهده على نحو متكرر، منذ الإطاحة
بالنظام السابق، يمكن وصفه بأنه غير تقليدي ؛ لان منفذيه الذين يتسرب
معظمهم الى العراق عبر حدوده الشاسعة يستخدمون أسلوب العمليات
الانتحارية على نحو متكرر، وهذا ما يجعل الاخطار غير المتوقعة تحوم
دائما في الاجواء”.
ومع مرور الوقت بات معظم الناس في العراق على اختلاف مستوياتهم
وتوجهاتهم وانتماءاتهم يدركون أن جناحي الارهاب والعنف في العراق هما
تنظيمات حزب البعث المنحل، والجماعات الارهابية التكفيرية القادمة من
الخارج، وأن مصادر الدعم والتمويل والاسناد المالي والفني والإعلامي
واللوجيستي بمختلف صوره وأشكاله تأتي من عواصم عربية متعددة، وبعضه
واضح وجلي إلى حد كبير وبعضه مخفي ومتستر بعناوين ويافطات ذات طابع
إنساني أو ديني أو سياسي. وتشير تقارير كثيرة من مصادر مختلفة إلى أن
أكثر من ثمانين بالمائة من الانتحاريين في العراق هم من جنسيات سعودية،
وجزائرية، وليبية، ومصرية، وفلسطينية، وسورية، وأردنية، ومغربية، وتذهب
بعض التقارير إلى أن نسبة السعوديين هي الأكبر بينهم، بينما تؤكد
تقارير أخرى أن نسبة الجزائريين هي الكبر، وان التمويل المالي يأتي لهم
من مؤسسات (خيرية) وشركات تجارية في الإمارات العربية المتحدة
والسعودية، وقطر، والبحرين، ومن حسابات مصرفية عائدة لنظام صدام ومودعة
في مصارف أجنبية وعربية بأسماء أشخاص عراقيين وعرب من أعوان النظام
السابق، وربما بأسماء وهمية، إلى جانب تسهيلات مخابراتية كبيرة من
أجهزة مخابرات دول متعددة من أبرزها سوريا، بحكم موقعها الجغرافي
المجاور للعراق واحتضانها الكثير من جماعات وعناصر حزب البعث المنحل.
وكانت الجماعات الارهابية البعثية والتكفيرية، والاطراف المساندة
والداعمة لها تراهن على فشل العملية السياسية في العراق، وخلق المزيد
من المشكلات للولايات المتحدة الاميركية بإعتبارها اللاعب الرئيس على
الأرض، وأضعاف الحكومة العراقية من خلال العمل بأقصى قدر ممكن للحيلولة
دون تحقيق أية انجازات على الأصعدة الأمنية والخدمية والاقتصادية، وفي
معظم الأحيان كانت تصرح بحقيقة أهدافها من دون أي حرج أو تردد. وفي وقت
من الأوقات بدا انها نجحت في قطع شوط طويل في طريق الوصول إلى أهدافها،
فالفتنة الطائفية كانت قاب قوسين أو أدنى من الاندلاع بعد العمليات
الإرهابية التي استهدفت مرقد الإمامين العسكريين في مدينة سامراء في
الثالث والعشرين من شهر شباط-فبراير من عام 2006م ، فقد استشرت مظاهر
العنف الطائفي بدرجات مقلقة ومفزعة، من قبيل القتل على الهوية،
والتهجير القسري، والاختطاف، واستهداف دور العبادة، ورجال الدين من كلا
الطائفتين الشيعية والسنية على السواء، هذا إلى جانب سقوط مدن بكاملها
في أيدي الجماعات الإرهابية التكفيرية والصدامية كما هي الحال مع
الانبار وديالى، والموصل إلى حد ما، وأحياء في داخل العاصمة بغداد
وضواحيها. ليس هذا فحسب بل أن العملية السياسية اصابها التعثر، بحيث
باتت وكأنها تسير في طريق مسدود، فالانسحابات من الحكومة ومجلس النواب
عبرت في فحواها عن رسالة سلبية للغاية، وكذا الامر بالنسبة للتقاطعات
والتجاذبات السياسية بشأن قضايا مهمة وحساسة وخطيرة من قبيل قانون
اجتثاث البعث، وقانون الاستثمار وقانون النفط والغاز، وتعديل الدستور.
وكذلك فأن اخفاقات الحكومة المستمرة والمتواصلة في الجوانب الخدمية
الأساسية مثل الكهرباء، والوقود، وايجاد فرص عمل لملايين الشباب
العاطلين عن العمل، وانصاف الشرائح والفئات المحرومة والمضطهدة، أضفى
كتلا من السحب الداكنة على المشهد العام في البلاد.
بيد أن تلك الصورة القاتمة في ظاهرها من جوانب مختلفة كانت في الجانب
المقابل لها صورة غير مكتملة التشكل والتكوين؛ لان جزءاً منها كانت
خطوطه ترسم وتصاغ بعيداً عن الصورة القاتمة، وجزءاً آخر منه لم يُتحْ
للكثيرين التوقف عنده والتأمل فيه بسبب دوامة المشكلات والازمات التي
كانوا يدورون فيها، فضلاً عن الضخ الإعلامي الهائل من الداخل والخارج،
الذي لم يترك حيزاً صغيراً لاظهاره ولو جزء ضئيل من الصورة المشرقة مع
الصورة القاتمة التي جعلها بأبعادها الكبيرة تتصدر المشهد العام.
فالعوامل المحركة والموجهة والمسببة للعنف والارهاب في العراق، كبقايا
النظام السابق، والجماعات التكفيرية، ووجود القوات متعددة الجنسيات،
والتقاطعات والتجاذبات السياسية بين الفرقاء العراقيين، والاجندات
الخارجية المختلفة، والمشكلات والازمات الحياتية والاقتصادية، مثلت
المادة الاعلامية والسياسية لتصوير الواقع وصياغة صورته، مع تجاهل
وتجاوز مقصود ومتعمد لحقيقة أن أفراغ العوامل المشار إليها آنفاً من
أدوات فاعليتها وتوجيهها وديمومتها جعل منها عواملاً أساسية ومفصلية
وحيوية لانحسار كبير- وليس كلياً - لظاهرة العنف والارهاب في بلاد
الرافدين.
وفي الواقع فأن فشل مخطط الفتنة الطائفية والحرب الاهلية بين مكونات
المجتمع العراقي مثل المؤشر الحقيقي لفشل مشروع الارهاب في هذا البلد،
واغراقه في حمى الفوضى والاضطراب والاحتراب العبثي بين أبنائه.
والفضل في افشال ذلك المخطط يعود في جانب كبير منه للمرجعية الدينية،
وفي جانب آخر للعشائر في المناطق الساخنة التي سقطت أو كادت تسقط
بالكامل في قبضة الجماعات الارهابية، وتحديداً تنظيم القاعدة بزعامة
أسامة بن لادن، ويعود كذلك إلى تعزيز البنى والهياكل التنظيمية لقوات
الجيش والشرطة، وتحسين أدائها وحرفيتها، فضلاً عن تعاون كبير من قبل
مختلف شرائح وفئات المجتمع مع الدولة لمساعدتها في معالجة الاوضاع
الأمنية السيئة والمضطربة.
وافشال ذلك المخطط فسح الطريق واسعا أمام الحكومة العراقية والقوى
والمكونات السياسية وغير السياسية الفاعلة ايجابا في الساحة بأعادة
ترتيب الاوراق، وتحديد الاولويات، وتشخيص المسارات.
فالاطراف الداخلية التي كانت تراهن على ما يسمى بـ"خيار المقاومة"من
خلال دعمها ومساندتها- أو بالحد الادنى التعاطف معها
ومهادنتها-للجماعات الارهابية المسلحة اكتشفت في ضوء الحقائق والمعطيات
أنها تسير في الاتجاه الخاطئ بعد تشكيل مجالس الصحوات في محافظات
ومناطق مختلفة، ونجاح الاخيرة بمساندة القوات الحكومية والقوات متعددة
الجنسيات في اضعاف الجماعات الارهابية الى حد كبير.
لذلك فأن تلك الأطراف بدأت تعيد النظر بحساباتها ومواقفها بالتدريج،
وتحاول معالجة الأخطاء والسلبيات بأقل قدر من الخسائر والاستحقاقات
السياسية بالنسبة لها، وتتعاطى بالتالي مع الواقع بقدر أكبر من
العقلانية والتوازن والحسابات البعيدة المرتبطة في جانب كبير منها
بالمصلحة الوطنية.
وهذا التحول أعطى زخما وقوة للحكومة والدولة بمفاصلها المختلفة ورفع
جزءاً من غطاء الشرعية عن الجماعات المسلحة، التي عملت جاهدة على اللعب
بورقة الطائفية عبر استمالة أبناء الطائفة السنية بأيهامهم أنها تدافع
عنها في مقابل خطر الاستهداف الشيعي"الصفوي" لهم.
وكان ذلك مقترناً مع ـ أو حصيلة لـ - عمل سياسي وعسكري وأمني كبير
وواسع من جانب العشائر والحكومة والقوات متعددة الجنسيات ضد تنظيم
القاعدة والجماعات الارهابية الاخرى الدائرة في فلكه، قد أثمر عن تفكيك
الجزء الأكبر من شبكات وخلايا تلك التنظيمات عبر القتل والاعتقال، وقطع
مصادر التمويل والاسناد، وتحييد أبناء العشائر، أو حتى دفعهم الى
الوقوف ضدهم، ومجالس الصحوات على الرغم من وجود ملاحظات ومؤاخذات عليها
مثلت مصداقا عمليا ناجحا على ذلك. وبينما كانت عناصر تنظيم القاعدة
تصول وتجول في مدينة الانبار، ويحكمون أهلها بالحديد والنار مستفيدين
من وقوف جزء كبير من أبناء العشائر في المناطق الغربية إلى جانبهم، أو
في أسوأ الأحوال التزام الصمت حيال أفعالهم، فأنهم باتوا في وقت لاحق
يبحثون عن ملاذات آمنة لهم بعد أن انفرط عقدهم ونأت العشائر عنهم.
وتنقل تقارير استخباراتية عن عناصر قيادية في تنظيم القاعدة في العراق
قولها "بعد أن كان الاخرون يحتمون بنا وينشدون ودنا، أصبحنا لانعرف أين
نذهب ؟ وفي أي اتجاه نتحرك ؟ وبمن نلوذ ؟.. فمعظم أفراد العشائر
انخرطوا في مجالس الصحوات، وباتوا يطاردوننا، والمشكلة هي أنهم يعرفون
الكثير عنا ويعرفون مخابئنا وطرق ووسائل تحركنا"، فضلاً عن الخلافات
بين الجماعات الإرهابية التي وصلت الى حد المواجهات المسلحة في أماكن
مختلفة كما هو الأمر بين تنظيم القاعدة والجيش الإسلامي (الصدامي)،
والمعارك الطاحنة التي وقعت بينهما في اللطيفية ومناطق غرب العاصمة
(بغداد) ومناطق أخرى ، خير دليل على ذلك، الى جانب الحملات الاعلامية
المتبادلة بينهما. في مقابل ذلك فأن اعداد المنتسبين لمجالس الصحوات
ناهزت بحسب التقديرات أكثر من مائة الف شخص، وفضلا عن العمل السياسي
والامني الكبير في الداخل فأن العديد من الدول العربية التي تبنت تمويل
ومساعدة وتشجيع الجماعات الارهابية المسلحة في العراق على نطاق واسع،
سياسيا، وعسكرياً، وإعلامياً، وطائفياً، أعادت النظر في مواقفها
انطلاقا من أسباب ودوافع مختلفة، من بينها أنها وصلت الى نتيجة مفادها
أن مشاريعها واجنداتها حيال العراق لاتصب في مصالحها الحقيقية البعيدة
المدى، ويمكن أن : "ينقلب السحر على الساحر" كما يقولون، لاسيما وأن
الجماعات والتنظيمات الارهابية تتبنى استراتيجية بعيدة لا تستثني
أحداً، خصوصا الأنظمة السياسية التقليدية التي تحتفظ بعلاقات ايجابية
وجيدة مع الغرب، وتحديداً مع الولايات المتحدة الأميركية.
إلى جانب ذلك فأن المراهنة على استعادة معادلة الحكم السابقة في العراق
، ثبت من خلال الوقائع والأحداث أنها مراهنة خاسرة وعقيمة ولاجدوى
منها، ولابد من النظر الى الامام بدلا من بقاء تلك الانظمة مكبلة في
شرنقة الماضي.
وكذلك فأن ضغط أطراف دولية لها ثقلها وتأثيرها مثل الولايات المتحدة
الاميركية على الانظمة والحكومات العربية، واستخدامها اسلوب الترغيب
والترهيب معها بأدوات سياسية، واعلامية، واقتصادية مختلفة، دفعها إلى
مراجعة مواقفها وسياساتها ومنهجياتها، وتخويفها من أن غيابها عن المشهد
العراقي، أو حضورها بصورة سلبية سيتيح لدول اقليمية المجال واسعا لسد
الفراغات والحصول على مواطئ قدم مهمة، خصوصا وأن لها علاقات تأريخية
جيدة مع قوى سياسية عراقية مؤثرة في الوضع الراهن وفي الوقت ذاته فأن
النجاحات الداخلية على الصعيد الأمني، وبمقدار أقل على الصعيدين
السياسي والاقتصادي جعل مراكز القرار العربي تفكر وتتصرف بطريقة أخرى
وان كان بتردد وتمنع نسبي.
ولاشك أن انخفاض أعداد الانتحارين العرب القادمين إلى العراق في عام
2007 مقارنة بأعدادهم في عام 2006 والأعوام التي سبقته يعد واحداً من
أبرز المؤشرات على قدر غير قليل من التعاطي الايجابي العربي الذي ساهم
في انحسار العمليات الإرهابية بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة
بواسطة الانتحاريين، وساهم كذلك في تضاؤل التمويل المالي للجماعات
الإرهابية، وتراجع وانحسار الخطاب الطائفي التحريضي والمشجع على التوجه
إلى العراق من جهة مؤسسات دينية ورجال دين متشددين في أكثر من عاصمة
عربية يتبنون أفكاراً تكفيرية ضد أتباع أهل البيت عليهم السلام.
وإذا كانت الخطوات والمبادرات والاجراءات العملية من المحيط العربي
والاقليمي للانفتاح على العراق مازالت دون مستوى الطموح وبحاجة الى
تفعيل اكبر، فأن الخطاب السياسي والمواقف النظرية طرأ عليها قدر كبير
من التبديل، ولعل المؤتمرات والملتقيات والاجتماعات العديدة التي عقدت
حول العراق خلال العامين الماضيين في القاهرة، وشرم الشيخ، وبغداد،
واسطنبول، ودمشق، وعمان، والكويت، وكذلك المؤتمرات العربية، أفرزت
خطاباً سياسياً عربياً مختلفاً إلى حد ما في مفرداته ومضامينه عن
الخطاب السياسي العربي في فترات سابقة. وذلك التحول سواء كان نتيجة
لانحسار ظاهرة الإرهاب والعنف في العراق، أم واحداً من بين أسبابها،
فأنه في النهاية يمثل أحد معالم وملامح الصورة الجديدة للمشهد العام في
البلد. وواقعاً أن المحافظة على الانجازات والمكاسب المتحققة في اطار
التصدي لظاهرة الارهاب يستدعي ويتطلب مواصلة العمل الجاد والموضوعي
والبناء والمتكامل في مفاصله وسياقاته على كل الاصعدة الأمنية،
والسياسية، والاقتصادية، والحياتية، والتفعيل المستمر للعوامل المساعدة
في انحسار الظاهرة وتلاشيها. |